اعلم أن الفقه والتصوف أخوان في الدلالة على أحكام الله سبحانه، إذ حقيقة التصوف ترجع لصدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى، وذلك متعدد، فلذلك ادعاه كل أحد بما هو فيه، وعبر عنه كل أحد بما انتهى إليه منه على قدر القصد والفيض والهمة، واعتبر ذلك أئمته، حتى إن أبا نعيم (٢) في حليته غالبا لا يترجم رجلا إلا أتبع ذلك بقول من أقوالهم، يناسب حال ذلك الشخص، قائلا: وقيل: إن التصوف كذا، فأشعر أن تصوف كل أحد صدق توجهه، وأن من له قسط من صدق الوجه له قسط من التصوف على قدر حاله.
ثم الفقه والأصول شرط فيه، والمشروط لا يصح بدون شرطه، والشرط أن يكون بما يرضاه الحق، ومن حيث يرضاه، فما لا يرضاه لا يصح أن يكون قربة، وما يرضاه لا يصح أن يكون قربة إلا من الوجه الذي يرضاه، كالصلاة مثلا، يرضاها الحق، ولكن لا في الأوقات الممنوعة ولا على غير الوجه المستقيم ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ (٣) فلزم
_________________
(١) من كلام الشاطبي في الاعتصام في الموضع السابق.
(٢) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، صاحب حلية الأولياء (ت ٤٣٠) الطبقات للشعراني ١/ ٦٥.
(٣) الزمر ٧.
[ ٤٨ ]
تحقيق الإيمان ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾ (١) فلزم العمل بالإسلام، فلا تصوف إلا بفقه، إذ لا تعلم أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف، إذا لا حقيقة للعلم إلا بالعمل، ولا عمل إلا بصدق توجه، ولا هما إلا بإيمان، إذا لا يصحان دونه، فهو بمنزلة الروح، وهما بمنزلة الجسد، لا ظهور له إلا فيهما، ولا كمال لهما إلا به (٢)، وهو مقام الإحسان المعبر عنه: "بأن تعبد الله كأنك تراه" (٣) إذ لا فائدة لذلك إلا صدق التوجه إلى الله تعالى على حد ما قلناه.
غير أن نظر الفقيه مقصور على ما يسقط به الحرج، ونظر الأصولي مقصور على ما يصح به الأصل الذي هو الإيمان والسنة، ونظر الصوفي متعد لما يحصل به الكمال، فيطلب في باب الأصول على تحلية الإيمان بالإيقان، حتى يصير في معد العيان، وفي باب الفقه على أن يأخذ بالأعلى أبدا، ثم له حكم يخصه فيما يخصه، ومدار الأمر فيه على اتباع الأحسن والأكمل، لقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ (٤) الآية، فلذلك كان مذهبهم في الاعتقادات مذهب السلف، من اعتقاد التنزيه، ونفي التشبيه وقبول ما ورد كما ورد، من غير تعرض لكيف ولا تأويل ولا غيره، إذ ليس ثم الحق (٥) من صاحب الحجة بحجته، ولا يضرنا الجهل بالتأويل مع ذلك، كما لا يضرنا الجهل بألوان الأنبياء وأسمائهم، مع العلم بتعظيمهم واحترامهم، ولئن كان التأويل أعلم فالتفويض أسلم، هذا مع تكلمهم في وجوه التأويل بما يقبله اللفظ، من حيث إنه علم، فلذلك توسعوا في العبارة عنه مع قصدهم أمثالهم بالكلام لا غيرهم، فأنكر عليهم الغير ذلك، وهو معذور بما بدا له، ولو سلم لكان خيرا له، ومذهبهم في الأحكام مذهب الفقهاء إلا أنهم حرروا وهذبوا ونقحوا، غير أنهم يأخذون من المذاهب بما
_________________
(١) الزمر ٧.
(٢) الضمير يرجع إلى التصوف الذي هو بمعنى الإحسان.
(٣) لم يعثر عليه.
(٤) النص ١٨.
(٥) هكذا وردت في الأصول ولعلها ألحن.
[ ٤٩ ]
يوافق الحديث، ليجمعوا بين نور الاقتداء ونور الاهتداء، مع تقيدهم بالمذهب الواحد، وعدم مخالفتهم للأحوط والمشهور منه إلا من ضرورة، فقد كان الجنيد (ض) على مذهب أبي ثور (١)، والمحاسبي (٢)، شافعيا، والشبلي مالكيا، والجريري (٣) حنفيا، مع إجماعهم على اتباع الحديث كما ذكره السهروردي (٤) فكان الجمع بين إجماعهم وفعلهم، والله أعلم.
ومذهبهم في الفضائل مذهب المحدثين فلا يأخذون بموضوع كصلاة الرغائب والأسبوع ونحوها، وإن ذكرها أئمة منهم فلم ينقلها أحد عنهم، بل ولا عن أئمة المذاهب، وإن كان الشيخ أبو طالب (٥) قد أثبتها للنساك وتبعه الغزالي (٦) على ذلك، فقد نبه النووي (٧) بأن لا يتبع ذلك، ولهما أصل في ذلك ذكرناه في القواعد، وبالغ في إنكار ذلك ابن عبد السلام (٨) من الشافعية
_________________
(١) هو إبراهيم بن خالد الكلبي أبو ثور، الإمام الحافظ (ت ٢٤٠) تذكرة الحفاظ ٢/ ٥١٢.
(٢) المحاسبي الحارث بن أسد، من علماء مشايخ القوم أسند الحديث (ت ٢٤٣) طبقات الصوفية ٥٦ وحلية الأولياء ١٠/ ٧٣.
(٣) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري، من كبار أصحاب الجنيد، أقعد بعد الجنيد في مجلسه لعلو منزلته وصحة علمه (ت ٣١١ هـ) الرسالة القشيرية ص ٢٦٨ وطبقات الصوفية ٢٥٩.
(٤) هو أبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله بن محمد البكري السهروردي، فقيه شافعي، من أئمة الصوفية، تخرج بصحبته جماعة من الأكابر، من كلامه: كان أفضل شيء عندهم عد الأنفاس (ت ٥٦٣) له كتاب آداب المريدين، وهو شيخ السهروردي شهاب الدين صاحب عوارف المعارف المتوفى ٦٣٢ هـ. الطبقات الكبرى ١/ ١٢٠، وتحرف اسمه فيها إلى عبد القادر، والأعلام ٤/ ١٧٤.
(٥) أبو طالب المكي، محمد بن علي بن عطية المكي، صوفي متكلم له كتاب قوت القلوب (ت ٣٨٦ هـ) شذرات الذهب ٣/ ١٢٠ ومعجم المؤلفين ١١/ ٢٧.
(٦) الغزالي حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) شذرات الذهب ٤/ ١٠.
(٧) النووي محيي أبو زكرياء يحيى بن شرف، الفقيه الحافظ (ت ٦٧٦ هـ)، تذكرة الحفاظ ٤/ ٤٧٠ وشذرات الذهب ٥/ ٣٥٤.
(٨) ابن عبد السلام العز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي الشافعي، فقيه أصولي (ت ٦٦٠ هـ) شذرات الذهب ٥/ ٣٠١ ومعجم المؤلفين ٥/ ٢٤٩.
[ ٥٠ ]
والطرطوشي (١) من المالكية، وكذا ابن العربي (٢) وغيره.
وانفردوا في الآداب بأصل هو جمع قلوبهم على مولاهم فبأي وجه يمكن لهم انتهجوه، سواء كان مباحا صريحا، أو رخصة أو أمرا مختلفا فيه، فمن ثم قالوا بأشياء أنكرها عليهم من لم يعرف قصدهم، وطالبهم فيها بما طالبوا به أنفسهم في العبادات من الاحتياط وإيثار الأولى، وآثرها من غلب عليه هواه فهلك بذلك، وقد أشار الجنيد (ض) لهذا الأصل بقوله لما سئل عن السماع: كل ما يجمع العبد على ربه فهو مباح (٣) ونقل القشيري في باب السماع عن أبي علي الدقاق (٤) (ض) أنه قال عن المشايخ: إنهم قالوا: ما يجمع قلبك إلى الله تعالى فلا بأس به.
٨ - فصل