وهي ثلاثة:
بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة المغرب، وعند السحر، وفي كل حركة مستأنفة أو معتادة غير ضيقة.
[ ٩١ ]
قلت: فأما بعد صلاة الصبح فهو وقت لذلك شرعا، وحقه أن يتوزع بين تلاوة وذكر ودعاء وفكر، حسبما دلت عليه نصوص الشريعة، ونص عليه الأئمة كأبي طالب المكي والغزالي وغيرهما، فإقصاره على ما تقصرونه عليه تعد على الشارع، إلا أن يكون في حق مريد خاص، مداواة لعلة قلبه عند إشرافه حتى تتمكن الحقيقة من نفسه فلا بأس به لضرورة التداوي، فإن الضرورات لها أحكام تخصها لا يصح أن تتعدى إلى غيرها في كل فن وباب، والله أعلم.
ثم ما تريدونه في ذلك من حزب السلام وقراءة الواحد وسماع الجميع مخالف أيضا، إلا أن تدعوا أنه من باب التذكير، لأن السماع المجرد أدعى للتأثير، ولكن ليس بعلم حتى يكون لكم في سماعه وإسماعه مستند، وإنما هو ذكر والذكر مطلوب من كل أحد، وهذا إن سلم مما فيه من التعريض بالمنكرين، والله أعلم.
نعم وكون الذكر بالجمع والجهر على وزن معلوم عندكم لا يليق، لما فيه من الخلاف والدخول في الشبهة لغير ضرورة شرعية، فإن قلتم: من باب التعاون والوعظ، قلنا: قد يسوغ، ولكن الاسترسال في العجلة آخر المجلس والبلوغ في الأمر إلى حد تحتل معه حروف الكلمة في الذكر أو يختل نظمها لا يفيد شيئا من ذلك، بل يبعد عنه، بل قال بعض العلماء: إن التسكين في هاء (إله) تؤذن بانقطاع الاستثناء وهو كفر بالصورة، وإن لم يكن بالحقيقة والعياذ بالله، فأما ما بعد المغرب فالمطلوب إحياؤه بالصلاة (١) ولكن الذكر فيه غير ضار لعدم تبديل ما جاء في الشريعة أو شيء منها فيه، لأن هذا الوقت لم يخصصه الشارع
_________________
(١) ذكر المؤلف إحياء ما بين العشاءين بالصلاة في فصل ١٧: (وأما القسم الثالث فمرجعه إلخ)، وقد ذكر الغزالي في الإحياء جملة من الأحاديث في ذلك، وكلها ضعيفة أو باطلة، كما في تخريج الحافظ العراقي، وقد ذكر المؤلف نفسه في فصل ٣٧: (في تفويتهم صلاة العشاء)، أن حديث إحياء ما بين العشاءين فيه ما فيه، وقد ورد في الركعتين بعد المغرب أحاديث صحيحة، انظر الإحياء ١/ ٢٠٤ و٣٥١ و٣٥٦.
[ ٩٢ ]
بأذكار ولا غيرها، إذ ذكر العشي إنما الوارد فيه بعد العصر مطلقا، أو المغرب (١) بأذكار خاصة معلوم ورودها عند أئمة الإسلام، ففي الخبر يقول الله تعالى: "ابن آدم اذكرني ساعة بعد الصبح وساعة بعد العصر أكفك ما بينهما" (٢) إلى غير ذلك.
وقد أهملوا ذكر ما بعد العصر أظنه لوجود الشغل لأنهم أبدلوه بما بعد المغرب، فيكون مخالفة للوارد والله أعلم، فأما آخر الليل فسنته التضرع والابتهال ووجود الدعاء والاستغفار، فهو وقت المناجاة كما أشارت إليه آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة، في قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن الضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ (٤) ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ (٥) إلى غير ذلك، وقال (ص): "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له هل من تائب فأتوب عليه" (٦) الحديث.
_________________
(١) خرج ابن السني عن أم سلمة: كان رسول الله (ص) إذا انصرف من صلاة المغرب يدخل فيصلي ركعتين، ثم يقول فيما يدعو: "يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلوبنا على دينك"، الأذكار ص ٣٣.
(٢) في الإحياء ١/ ٣٤٣: وروى الحسن أن رسول الله (ص) كان فيما ذكر، من رحمة ربه يقول: "إنه قال: بابن آدم، اذكرني بعد صلاة الفجر ساعة " الحديث، عزاه العراقي إلى ابن المبارك في الزهد مرسلا، وذكره السبكي في أحاديث الإحياء التي لم يجد لها إسنادا، وعقد لها فصلا طويلا في طبقات الشافعية الكبرى عند ترجمة الشيخ الغزالي ٤/ ١٥٢.
(٣) السجدة ١٦.
(٤) آل عمران ١٤.
(٥) الذاريات ١٨.
(٦) الحديث في البخاري من رواية أبي هريرة (ض)، أن رسول الله (ص) قال: "ينزل ربنا إلى المساء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ "، وقد أشار الحافظ إلى الرواية التي ذكرها المؤلف بلفظ: هل من تائب فأتوب عليه، من رواية سعيد بن مرجانة، عن أبي هريرة، وقد خرجها مسلم ١/ ٥٢٢.
[ ٩٣ ]
وقال إبراهيم الخواص (١) (ض): دواء القلب ثلاثة (٢)،: خلاء البطن، وتلاوة القرآن بالتدبر، والتضرع عند السحر وقيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع، قال: "أدبار المكتوبة، وجوف الليل الآخر" (٣) لكن قد يقال: عملنا بقوله (ص): "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (٤) وهي شبهة قائمة ولكن نصوص الشريعة ومقاصد الشارع معتبرة في العموم، ويرجع بغيرها إلى خواص الأشخاص والأوقات.
فأما التعرض بها للأغراض والحوائج والتجاهي بها والتمييز بذكرها، فمن حيث صورته لا يليق، ومن حيث حقيقته معتبر بالنية ولكل شيء وجه، ولكن السنة خير كلها والسلف خير منا وأحرص على الخير، وقد كانوا (عمال) (٥) أنفسهم (٦) ولم يكن عندهم شيء من ذلك مع احتياج الوقت لله، من جهة مناصات الكفار، والتبكيت عليهم، وإشاعة أمر الدين، ولكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، وهم
_________________
(١) إبراهيم بن إسماعيل الخواص، من أقران الجنيد (ت ٢٩١) الطبقات الكبرى ١/ ٨٣.
(٢) صوابه خمسة وليس ثلاثة بإضافة قيام الليل ومجالسة الصالحين، انظر طبقات الأولياء ص ١٧.
(٣) في الترمذي ٥/ ٥٢٦ من حديث أبي أمامة (ض)، قال: يا رسول الله (ض): أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبة"، قال الترمذي: هذا حديث حسن، ومعنى أسمع: أي أقرب إلى الإجابة، وذكر الحافظ في الفتح ١٣/ ٣٨٢ الأحاديث الدالة عنى الدعاء عقب الصلوات، ورد على من زعم أنه لم يكن من هدي النبي (ص).
(٤) خرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١١٥ من حديث عمر مرفوعا، وفيه صفوان بن أبي الصهباء، قال الحافظ في التقريب ص ٢٢٧: مقبول، واختلف فيه قول ابن حبان، أي أنه ذكره في الثقات وفي الضعفاء، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١/ ٣٠٢ بعد أن عزا الحديث إلى البخاري في التاريخ، والبزار في المسند، والبيهقي في شعب الإيمان، قال: وفيه صفوان بن أبي الصهباء - وتحرفت النسخة المطبوعة إلى (أبي الصفاء)، ذكره ابن حبان في الضعفاء وفي الثقات.
(٥) في ت ١: (أعمال).
(٦) يعني في مهنة أنفسهم.
[ ٩٤ ]
القادة، وأئمة الهدى، ويرحم الله مالكا كان يقول في مجالسه كثيرا:
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع
أعاذنا الله من كل فتنة وشر، بمنه وكرمه.
٢٥ - فصل