أما تقيدهم في قراءة الصلاة، فسمعت من بعضهم ما يدل على أنهم قصدوا به مناسبة أعداد الصلاة، وحركات الفلك، فأتوا لكل وقت بما
_________________
(١) الحديث في الرجل الذي بعثه النبي (ص) على سرية، لفظه: "وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ "، خرجه البخاري ٦٩٤٠، ومسلم ٨١٣، وانظر حكم تكرار سورة الإخلاص في الركعة الواحدة في البيان والتحصيل ١/ ٣٧١.
[ ١٠٦ ]
يناسبه، وجعلوا الركعة الأولى فرقا، والثانية جمعا (١)، وهو شيء يشبه الفلسفة، فدخوله في الشرعيات لا عبرة به، واعتبار ذلك من حيث الخاصية (٢) أيضا خارج عن الحق، هذه سورة البروج قد نص المشايخ على أن مداومتها في صلاة العصر تنفع من الدماميل، وهي مجربة، ولكن العبادة لا ينبغي أن تدخل بالعادة، فأبدلناها بعد الصلاة فانتفعنا بها، واحترام الشريعة لا يأتي إلا بخير، فإن قيل: فالرسول (ص) قد كان يصلي صبح يوم الجمعة بالسجدة وهل أتى (٣) وصلاة الجمعة بالجمعة والغاشية (٤) والعيد بسبح والشمس وضحاها (٥) والخسوف بالأول الأربع الطوال (٦) والفجر بالكافرون والإخلاص (٧)، والوتر بالإخلاص والمعوذتين (٨) ومغرب ليلة الجمعة بالكافرون والإخلاص (٩) إلى غير ذلك وهذه كلها تقيدات.
_________________
(١) الجمع: ما يشهده الله تعالى العبد من اللطف والإحسان، والفرق: القيام بحق العبودية، الرسالة القشيرية ص ٢٩.
(٢) أي: تخصيص قراءة سورة معينة في الصلاة لظن أن لها خاصية معينة كالاستشفاء بها أو الحفظ ونحوه، كل ذلك خارج عن الحق، لأن التخصيص لا يكون إلا بنص الشارع.
(٣) حديث قراءة النبي (ص) في صبح الجمعة بالسجدة وهل أتى في مسلم من حديث ابن عباس ٢/ ٥٩٩.
(٤) حديث قراءة النبي (ص) في الجمعة بسورة الجمعة والغاشية في الموطأ ١/ ١١١.
(٥) في الموطأ ١/ ١٨١: كان النبي (ص) يقرأ في العيدين بسورة ﴿ق والقرآن المجيد﴾ و﴿اقتربت الساعة﴾ أحيانا، وأحيانا ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ أو ﴿والليل إذا يغشى﴾، يقرأ سورة في كل ركعة.
(٦) حديث ابن عباس في صفة صلاة رسول الله (ص) عندما كسفت الشمس، قال: فقرأ نحوا من سورة البقرة في الركعة الأولى، قال في الفتح: زاد أبو داود: أنه قرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحوا من آل عمران. البخاري مع فتح الباري ٣/ ١٩٤، وفتح الباري ٣/ ١٨٣.
(٧) حديث قراءة النبي (ص) في الفجر بالكافرون والإخلاص في مسلم ١/ ٥٠٢.
(٨) حديث قراءة النبي (ص) في الوتر بالإخلاص والمعوذتين في النسائي ٣/ ٢٠٣، والترمذي ٢/ ٣٢٦.
(٩) خرج ابن حبان في الإحسان ٥/ ١٤٩ حديث جابر بن كسرة: "كان النبي (ص) يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ " وانظر السنن الكبرى ٢/ ٣٩١.
[ ١٠٧ ]
قلنا: الشارع لا يعترض عليه في نظره، ولا يتعدى ما أتى به فحيث أطلق تعين الإطلاق، وحيث قيد تعين التقييد، ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) وقال (ص): "ما تركته لكم فهو عفو﴾ (٢) وهذا ليس من المتروك، بل حمله مالك على الإيثار والإكثار، لا على التقييد، أعني ما وقع في صبح الجمعة ومغربها (٣)، ولولا ذلك لم يكرهه، ولا يصح التحديد إلا منه، فارتكابه افتيات عليه، هذا مع ما أضيف لما ذكر من أمور أخر تقتضي وجود النكير، وقد نص العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يتعبد بمثل صلاة العيد، ولا الخسوف ونحوه، وذكره ابن الحاج في آخر مدخله، هذا مع أنه أثبته الشارع، لكن في محل خاص، فوجب أن لا يتعدى لغيره، والله أعلم.
وأما شبههم في التقييد بالدعاء ونحوه من الأذكار، فعمدتهم في ذلك ترك المألوفات وطلب التأثير بوجود المستغربات، وذلك توهم باطل من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن العادة جارية بإلف المستغرب عند تكراره، حتى يصير في معد المألوفات، فلا يبقى له أثر غير استشعار الاختصاص، وهو مضر بصاحبه، إذ يثير له رؤية نفسه، فافهم.
الثاني: أن التأثير الحقيقي هو الذي ينتج حالا أو عملا على وفق الحق والبصيرة وقد عرف أن الاصطلاح في العبادة لا يثير شيئا من ذلك، وهو مشاهد عند من له أدنى فهم.
_________________
(١) الحشر ٧.
(٢) الحديث بلفظ: "ما أحله الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو"، هو في مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٩٣، والمستدرك للحاكم ٢/ ٣٧٥، وقال هو والذهبي؛ صحيح.
(٣) أي: مغرب ليلتها.
[ ١٠٨ ]
الثالث: أن وازع الحقيقة لا يتوقف على نمط واحد، فالتقييد بالكيفيات حرمان من وجوه المعارف وإن أثار لذة نفسانية، فلا يؤثر حقيقة إيمانية، ولا نكتة عرفانية، وبالله سبحانه التوفيق.
٣٢ - فصل