وما يتبع ذلك من طرق الاقتداء ونحوها.
اعلم أن الأوائل من القوم لم يكن لهم ترتيب في المشيحة معروف، ولا اصطلاح في السلوك مألوف، وإنما كانت عندهم الصحبة واللقاء، فكان الأدنى منهم إذا لقي الأعلى استفاد برؤيته أحوالا، لأن من تحقق بحالة لم يخل خاطره منها، والأحوال مورثة، فلذلك قال ابن العريف (٥) ﵀:
_________________
(١) الطرطوشي أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الأندلسي، الفقيه المالكي، كان إماما لينا (ت ٥٢٠ هـ) الديباج المذهب ٢٧٦.
(٢) ابن العربي محمد بن عبد الله بن محمد المعافري، الإمام الحافظ (ت ٥٤٣ هـ) الديباج المذهب ٢٨٢ وشذرات الذهب ٤/ ١٤١.
(٣) يأتي للمؤلف في الفصل الخاص بالسماع أن السماع لا يقدم عليه اختيارا، وأطال في التحذير منه.
(٤) هو الحسن بن علي بن محمد الدقاق، صوفي فقيه (ت ٤٠٥) معجم المؤلفين ٣/ ٢٦١.
(٥) هو أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي، قال الذهبي: الإمام الزاهد العارف المقرئ، صاحب الإشارات والمقامات (ت ٥٣٦) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١١١.
[ ٥١ ]
كيف يفلح من لم يخالط مفلحا وكان الصحابة (ض) ينتفعون برؤيته (ص)، حتى قال أنس (ض): والله ما نفضنا التراب عن أيدينا من دفه (ص) حتى وجدنا النقص في قلوبنا، وكانت الصحبة عندهم لتعلم الآداب، وأخذ العلم بوجه يعرف أحدهم بالتزام الوجه الذي يأخذ منه ويواليه موالاة من يرى فضله عليه، ويشكر إحسانه إليه، من غير زائد على ذلك، وأصلهم في ذلك قوله تعالى: ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ (١) الآية، فلما غلب الخبط على النفوس والتخليط على القلوب، ظهر متأخرو الصوفية في الاصطلاح في التربية وترتيب المشيحة على ما هو معلوم من شأنهم، مستندين لما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ الآية، ولأنه (ص) كان يربي أصحابه فيعطي كلا ما يليق به، إذ قد أوصى واحدا بقوله: "لا تغضب" (٢) وقال لغيره: "قل ربي الله، ثم استقم" (٣) وقال لآخر: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله" (٤)، وخص قوما بأذكار وعلوم، كمعاذ بحديث: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق" (٥) وحذيفة (ض): بالسر (٦) وتفقد عليا
_________________
(١) لقمان ١٥.
(٢) خرجه البخاري في الصحيح من حديث أبي هريرة (ض) أن رجلا قال للنبي (ص): أوصني، قال: "لا تغضب"، البخاري مع فتح الباري ١٣/ ١٣٤.
(٣) هو حديث سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل أحدا بعدك، خرجه مسلم في الصحيح حديث رقم ٣٨، ولفظ المؤلف خرجه الترمذي ٤/ ٦٠٧، وقال: حسن صحيح.
(٤) خرجه الترمذي من حديث عبد الله بن بسر (ض) أن رجلا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله"، الترمذي ٥/ ٤٥٨، وقال: حسن غريب من هذا الوجه.
(٥) خرجه البخاري من حديث أبي ذر (ض) بلفظ: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة"، فقلت: وإن زنى وإن سرق، قال: "وإن زنى وإن سرق"، وأما حديث معاذ وهر الذي يعنيه المؤلف فهو بلفظ: وما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار"، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس، فيستبشروا، قال: "إذا يتكلوا"، فأخبر بها معاذ عند موته، تأتما. مسلم ١/ ٦١ حديث رقم ٥٣.
(٦) في الصحيح عن أبي الدرداء: "أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، يعني حذيفة"، البخاري مع فتح الباري ٨/ ٩٣.
[ ٥٢ ]
وفاطمة (ض) لصلاتهما من الليل (١) وعائشة (ض) تعترض بين يديه اعتراض الجنازة (٢) وقال لعبد الله بن عمرو: "صم وأفطر" (٣)، وأقر على سرد الصوم حمزة بن عمرو الأسدي (٤) إلى غير ذلك من وجوه التربية فافهم.
ثم جروا في ذلك على مقتضى العلم والحقيقة فلم يدخلوا على المريد في مقام التقوى الذي هو فعل الواجبات وترك المحرمات، سوى أخذ العهد قصدا للتوثق في التزام خصال التقوى، مستندين لحديث عبادة بن الصامت (ض) الذي قال فيه (ص): "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا" (٥) الحديث، وكان (ص) يكرر البيعة في مواضع لذلك، كما وقع له مع سلمة بن الأكوع وغيره، كما هو معلوم في أحاديث المغازي (٦)، وهو (ص) إنما دعاهم لذلك مع تقرر إيمانهم وتبريهم مما ذكر، فكان قصدا للتأكيد، والله أعلم.
_________________
(١) حديث طرق النبي (ص) باب علي وفاطمة ليلا للصلاة من الليل، خرجه البخاري رقم ١٠٧٥.
(٢) البخاري مع فتح الباري ٢/ ١٢٢.
(٣) حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح، انظر البخاري مع فتح الباري ٥/ ١٢١.
(٤) له ترجمة في الاستيعاب ١/ ٣٧٥ توفي ٦١ هـ، قال ابن عبد البر: وكان يسرد الصوم وفي مسند أبي داود أن حمزة الأسلمي قال: يا رسول الله، إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: "صم إن شئت وأفطر إن شئت" سنن أبي داود ٢٤٠٢.
(٥) حديث عبادة بن الصامت (ض) في البيعة ليلة العقبة، خرجه البخاري وغيره، وفيه أن رسول الله (ص) قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أبديكم وأرجلكم "، البخاري مع فتح الباري ١/ ٧١.
(٦) حديث سلمة بن الأكوع (ض) الطويل في البيعة، خرجه مسلم ٣/ ١٤٣٤، وفيه: (قال - أي سلمة -: فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط من الناس، قال: "بايع يا سلمة"، قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس، قال: "وأيضا"، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال: "ألا تبايعني يا سلمة"، قال: قلت: قد بايعنك يا رسول الله في أول الناس، وفي أوسط الناس، قال: "وأيضا"، قال: فبايعته الثالثة).
[ ٥٣ ]
ولم يدخلوا عليه في مقام الاستقامة وهو حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة غير تعريفه بالأصلح له، من غير زيادة ولا نقص، لاتساع هذا الباب وجهل الإنسان باللائق به، وقيامه مع شهوته تفريطا أو إفراطا، مع ما يساعد ذلك من توسع الرخص أو تضييق الورع، الذي قد يليق به وقد لا، ويحمله عليه عدم علمه بحاله، لاسترساله مع حاله، كقوله (ص) لأبي بكر لما ذكر إسراره بصلاة الليل: "ارفع قليلا"، ولعمر لما ذكر إعلانه: "اخفض قليلا" (١) فأخرجهما عن مرادهما، وما تقتضيه طباعهما إلى مراد الله ورسوله تبرئة من الهوى، وإن كانا برءاء منه، فافهم.
وألزموه في مجاهدة النفس بما يوصل إليها من الجوع والسهر، والصمت والخلوة، وأضداد ذلك أو أضداد بعضه، إلى غير ذلك من مختلفات الأمور التي لا تنحصر، ويجري النظر فيها بحسب جريانها، وألزموه إظهار ما عنده ليصل إلى ما عندهم فيه، فكان بين أيديهم كالميت بين يدي الغاسل، (كما هو معلوم في شرط المريد مع الشيخ) (٢)، ولكنهم لم يلزموه هذا حتى رأوا فيه أهلية الجمع (٣) والكمال، فجاء بعد ذلك قوم حرفوا الأمور وبدلوا الأحكام، وخبطوا خبط الأعمى في تراكم الظلام، فضلوا وأضلوا، نسأل الله السلامة.
٩ - فصل