(تفصيلا وما اعتقدوه فيها ردا وقبولا) (٢).
وهو ثلاثة أمور:
أحدها: مخالفة النفس بكل وجه أمكن، وغلطوا من حيث التعميم، وظنهم ابتناء الأمر على مخالفتها مطلقا، وليس الأمر كما زعموا، بل مخالفتها مقصود لموافقة الحق، فإذا كان في موافقتها وهو مقصود كان مخالفة لها في عين التلبس به، لأنا لو قدرنا خلوه عن هواها لآثرناه، ولو قدرنا انفراده بهواها لتركناه، فكان هو المقصود، لا هي، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز (ض): "إذا وافق الحق الهوى فذلك الشهد بالزبد"، وقد قال تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ (٣) فأشعر أن الهدى هو المقصود، فافهم.
الثاني: التجرد عن المعتادات بدلا من الأنس بها، وقد انجر بهم ذلك حتى دخلوا به في باب الفضائل، والمطلوب من السنن المتعلقة بالفرض وغيرها، فتركوا ما ألف منها، وآثروا ما لم يؤلف وإن كان مخالفا لها، وربما جنحوا، لأن الأجر على قدر المشقة، وليس كذلك، بل الأجر على
_________________
(١) في ت ١: (ونفاقا وكفرا).
(٢) ما بين القوسين من ق.
(٣) القصص ٥٠.
[ ٧٢ ]
قدر الاتباع، ولو كان على قدر المشقة لكان الإيمان والمعرفة والذكر أخفض رتبة من غيرها، وليس كذلك إجماعا، وقول (ص): "أجرك على قدر تعبك" (١) خاص في خاص لخاص، فلا يكون دليلا ولا حجة فافهم.
الثالث: إفراد الوجه ظاهرا وباطنا، فلذلك التزموا قانونا واحدا في جميع أحوالهم الشرعية والعادية، حتى قيدوا ما كان مطلقا مثل القراءة في الصلوات، وأطلقوا ما كان مقيدا مثل أذكار ما بعد الصلاة، فكان ذلك منهم ابتداعا بالتعميم وتغيير الحكم، وإن جاز فعل ذلك في وجه ما، لعلة التداوي ونحوه، فمع اتباع الحكم الأصلي، ومراعاته في العموم، فضيلة كان أو غيره، فافهم.
ولقد تحدثت مع بعض مقدمي هذه الطائفة، فقال لي كالمعتذر: لا يقبل أحد في هذه الأزمنة لعقة من عسل السنة إلا مع صبر البدعة، فأنصف، وقال شيخنا أبو العباس الخضرمي (ض): لو طفتم من أقصى بلاد المشرق إلى أقصى بلاد المغرب في طلب مريد مستقيم الإرادة ظاهرا وباطنا بكل وجه، ما وجدتموه، فكيف بالعارف الكامل، ثم قال: ما بقي إلا من حقيقته مخبطة أو مستورة بذلك، ثم لا ننكر وجودهم من حيث لا يعرفون، هذا معنى كلامه (ض) وهو ظاهر.
١٦ - فصل