وأصله في ذلك الغباوة (٤)، والجهل، وهم طوائف ثلاثة: أولها: طائفة تعلقت بالعلم وهي على ثلاثة أنواع:
_________________
(١) المستدرك ١/ ٣١٠، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٢) لا توجد في ت ١.
(٣) يقصد بالجمع الفناء في توحيد الربوبية وأن يقول العبد: الله ولا سواه، انظر الموسوعة الصوفية ص ٧٠٨ والرسالة القشيرية ص٢٩.
(٤) في ت ١: الغياوة.
[ ٥٤ ]
النوع الأول: قوم أخذوا بدقائق التوحيد وشقاشق الشطحات، فأكبوا على كلام أهل ذلك الفن، مثل: ابن سبعين (١) وابن الفارض (٢)، والحاتمي (٣) ومن نحا نحوهم من غير تعريج على طريقتهم في باب المعاملات، فظهر لهم أنهم حصلوا ما فهموا، ووقفوا بذلك على التحقيق بما توهموا، وحصل لهم من ذلك ذوق فهمي استلذوا به في نفوسهم، وربما أثر سريانه فيهم على محسوسهم فحرموا التحقق والعمل، وتعلقوا بالأماني والأمل، وهذا إن سلموا من معتقد فاسد، أو تجاسر على الربوبية والنبوءة في بعض المقاصد، وهذه طريقة كثير ممن يعجبك شأنه، ممن له في الطلب قدم أو الفهم وجه، لا سيما بعض المشارقة، نسأل الله السلامة، ثم كلامنا في ذلك ليس طعنا فيمن أخذوا بكلامهم، لكن في أخذهم له مع عدم تحققهم به، فافهم.
النوع الثاني: قوم تعلقوا بعلوم الأحوال والمقامات، ووقائع النفوس وموارد الحقائق، ورأوا أن ليس وراء ذلك مطلب، فاحتقروا العباد والزهاد، وادعوا أن ما هم عليه عين السداد، ثم مع ذلك فهم خائضون في أمر ليسوا منه على حقيقة، بل فهموا كلام الأئمة في ذلك، فادعوه حالا لأنفسهم بما
_________________
(١) ابن سبعين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم الإشبيلي، صوفي من زهاد الفلاسفة (ت ٦٦٩ هـ) طبقات الشعراني ١/ ١٧٧ ونيل الابتهاج ١٨٤ اشتهرت عنه مقالات رديئة كفره بسببها كثير من الناس، قال ابن دقيق العيد: إنه جلس معه من الضحوة إلى قريب الظهر، وهو يسرد كلاما تعقل مفرداته ولا تعقل مركباته، انظر لسان الميزان ٣/ ٣٩٢ والأعلام ٤/ ٥١.
(٢) هو عمر بن علي، قال عنه الذهبي: كان سيد شعراء عصره، وشيخ الاتحادية، (ت ٦٣٢م)، لسان الميزان ٤/ ٣١٧.
(٣) هو أبو بكر محمد بن علي الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بمحيي الدين بن عربي، الملقب بالشيخ الأكبر، صنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل الاتحاد، قدوة القائلين بوحدة الوجود، له تصانيف كثيرة، نحو من أربعمائة ما بين كتاب ورسالة، رحل وسمع من الشيوخ وله في كل فن قدم، قال عنه الحافظ الذهبي: من أنعم النظر فيه لاح له العجب، فإن الذكي إذا تأمل من ذلك الأقوال والنظائر فهو أحد رجلين: إما من الاتحادية في الباطن، وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن هذه النحلة من أكفر الكفر نسأل الله العفو، انظر ميزان الاعتدال ٣/ ٦٦٠، ولسان الميزان ٥/ ٣١١، والأعلام ٧/ ١٧٠، فصل ٨١.
[ ٥٥ ]
شموا من ذلك، وذاقوا بعضه، وقد قال الشيخ أبو عبد الرحمان السلمي (١) (ض): من حكى حكايات السلف واتخذها لنفسه حالا وص خال عنها، وفرح بقبول الناس له على ذلك، فهو من أخس العباد حالا وأفسدهم طريقة وأبعدهم عن منهاج الصديقين، ثم قال: عجبا ممن يفرح بمال غيره، والنبي (ص) يقول: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (٢) والله تعالى يقول: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ (٣) لأنهم تزينوا بأحوال هم عنها خوال، وعملوا أعمالا بعيدة عن الإخلاص، ولا يطأ بساط الحق إلا الصادقون في أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم، ومن صفا صفي له، ومن خلط خلط عليه، انتهى.
قلت: ورأيت من هذا النوع آحادا اعتقدهم الناس وأكبوا على أتباعهم، فحرموهم العلم والعمل بما شرطوا لهم من عدم ذلك، وحيروهم في الحقيقة عما هم مطلوبون به بما هم مستغنون عنه، وكذلك النوع الذي قبله، بزيادة أنهم ربما أضلوا بعض الضعفاء بكلام الأقوياء، وأدخلوا على عامة الطلبة من الدعاوي والكذب ما هم عنه أغنياء، وأكثر ما رأيت هذا النوع في بعض البلاد الشرقية، وهما أي النوعين أمثلهم (٤) طريقة، وأسلمهم منهاجا وأقل اتباعا، والله أعلم.
النوع الثالث: قوم فرحوا بما عندهم من الظاهر، وجمدوا عليه، وشطحوا بما فهموا من علم الباطن ودعوا إليه، فأخذوا في الإنكار على من خالفهم، وموالاة من تبعهم وحالفهم، وجعلوا العلم حجة لأنفسهم في كل ما يجري عليه، وربما جهلوا أو حسنوا الظن بأنفسهم، حتى وقعوا في مهاو من الضلال، كإباحة بعض المحرمات، وارتكاب بعض
_________________
(١) أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين الأزدي السلمي، صوفي محدث حافظ (ت ٤١٢ هـ) شذرات الذهب ٣/ ١٣٦ وطبقات الأولياء ص ١٣٣.
(٢) البخاري مع فتح الباري ١١/ ١٣١.
(٣) الفرقان ٢٣.
(٤) في ت ١: (وهم أمثلهم)
[ ٥٦ ]
المنكرات، وربما انجر بهم ذلك لانطباع حقيقته في قلوبهم، وارتسامه في خيالاتهم، فظهروا بأمور تناسب ذلك، وربما أتوا فيه بمراء أضافوها إلى النبي (ص) تناسب أغراضهم، ولا تصح نسبتها له، وربما يصح بعضها مع قبول التأويل، فجهل هذا المسكين في قبولها أولا، وفي عدم تأويلها آخرا، واغتر في ذلك بما جرى من نوعه لأهل الحق، الذين وزنوا أنفسهم بالورع، وقاموا مع الحق في كل أمر متبع، كابن أبي جمرة (١) وغيره من السادة، مع أن ما وقع لهم له تأويلات حسنة، وما وقع له في بعضه فلا يحتمله (٢) التأويل، ثم إنه جمد عن التأويل عندما طلب به، وبالغ في ذلك لما أداه لهتكه وإذايته، رحمة الله عليه وغفرانه لديه إن كان صادقا في خبره لا غير، وبالله التوفيق.
١٠ - فصل