والتارك فيه تابعا مذهبهم المبارك من غير خروج.
قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي (٣) (ض): كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن، يعني كالجنيد وأمثاله، لا يخلو إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة، فهم خلقاء به، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلقاء بذلك (٤).
وإن لم يكن له أصل في الشريعة، فلا عمل عليه لأن السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، لأن السنة
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عطية من أهل داران من دمشق (ت ٢١٥) الرسالة القشيرية ٢٧٤.
(٢) هو أبو بكر دلف بن جحدر الشبلي، كان شيخ وقته، مالكي المذهب (ت ٣٣٤) الرسالة القشيرية ٢٨٠.
(٣) هو إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، المحقق الأصولي (ت ٧٩٠) نيل الابتهاج ٤٦.
(٤) انظر الاعتصام ١/ ٢١٧.
[ ٤٦ ]
معصومة من الخطأ، وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعيا، فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت له العصمة، يجوز عليهم الخطأ والنسيان، والمعصية كبيرها وصغيرها، والبدعة محرمها ومكروهها، ولذلك قال العلماء: كل كلام منه مأخوذ ومتروك إلا ما كان من كلامه (ص)، وقد قرر القشيري (١)، ﵀ ذلك أحسن تقرير، فقال: فإن قيل: فهل يكون الولي معصوما؟
قيل: أما وجوبا كما يقال في الأنبياء فلا، وأما أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب وإن حصلت هفوات أو آفات أو زلات فلا يمتنع ذلك في وصفهم، قال: ولقد قيل للجنيد: أيزني العارف، فأطرق مليا، ثم رفع رأسه وقال: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا (٢).
قال: فهذا كلام منصف، فكما تجوز على غيرهم المعاصي بالابتداع وغيره، كذلك تجوز عليهم البدع، فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف عن الاقتداء بمن يجوز عليه إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه، ولا علينا إذا قام لنا الدليل على اتباع الشارع، ولم يقم لنا الدليل على اتباع أقوال الصوفية وأعمالها إلا بعد عرضها، وبذلك وصى شيوخهم، وأن ما جاء به صاحب الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم يعرض على الكتاب والسنة، فإن قبلاه، وإلا لم يصح، قال: نم نقول ثانيا (٣) إذا نظرنا في رسومهم التي حدوا، وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن والتماس أحسن المخارج، ولم نعرف له مخرجا، فالواجب التوقف عن الاقتداء والعمل، وإن كانوا من جنس من يقتدى بهم لا ردا له ولا اعتراضا عليه، بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى القواعد الشرعية، كما فهمنا غيره، ثم قال بعد كلام: فوجب
_________________
(١) هو عبد الكريم بن هوازن النيسابوري القشيري، صوفي جامع للعلوم والحديث (ت ٤٦٥) طبقات الأولياء ٢٥٧.
(٢) الأحزاب ٣٨.
(٣) القائل الشاطبي.
[ ٤٧ ]
بحسب الجريان على رأيهم في السلوك، ألا نعمل بما رسموه مما فيه معارضة لأدلة الشرع، ونكون في ذلك متبعين لآثارهم مهتدين بأنوارهم، خلافا لمن يعرض عن الأدلة، ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم، فالأدلة الشرعية والأنظار الفقهية والرسوم الصوفية تذمه وترده، وتحمد من تحرى واحتاط وتوقف عند الاشتباه، واستبرأ لدينه وعرضه (١) انتهى، وهو من مكنون العلم، وبالله التوفيق.
٧ - فصل