يرى المؤلف أن تشييخ الطريقة وأخذ العهد، له أصل في الشرع، ولكنه ليس شرطا في سلوك طريق الصوفية، إذ لم يكن للأوائل هذا الترتيب المعروف في المشيخة، وإنما كان عندهم الصحبة واللقاء، فيستفيد الأدنى من الأعلى إذا لقيه ورآه، ويقول: إنه بغلبة الخبط على النفوس، والتخليط على القلوب احتاج الناس إلى ترتيب المشيخة، وأخذ العهد وتربية كل أحد بما يليق به، استنادا لقول الله تعالى: ﴿واتبع سبيل من آناب إلي﴾ (١) ولأن النبي (ص) كان يوصى أصحابه، كلا بما يليق به، فيوصي واحدا بقوله: "لا تغصب"، وآخر بقوله: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله"، ولحديث معاذ (ض)، وفيه قول النبي (ص): "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا"، وكان يطلب من أصحابه تكرار البيعة، كما وقع لسلمة بن الأكوع وغيره.
ومع أن المؤلف يقر أصل المسألة، وهو نفسه شيخ طريقة، فهو ينتقد بشدة الأسلوب الذي جرت عليه الطرق، القائمة على التنافس فيما بينها، وتعصب أهل كل طريقة لأنفسهم على من سواهم، وإكراههم الناس على أخذ العهد، ويذكر في ذلك عجائب، منها أن رجلا طلبوه لأخذ العهد فأبى، فاجتمعوا عليه وصرعوه في الأرض، ووضعوا أيديهم في يده، وقالوا: أخذت علينا، مع أنه رجل ضعيف العارضة، ليس فيه ما يصلح لطريقهم ولا لغيرها، فتحير المسكين من قولهم: أخذت علينا، واستعظم طريقهم، قال المؤلف: وجاء مستجيرا، فقلت له: لا حق لهم عليك، فالزم تقوى الله وتلاوة القرآن العظيم، ودع ما سوى ذلك.
وقال: حدثني آخر أن رجلا من عربان طرابلس دخل على شيخ من شيوخهم، فقال له: خذ العهد، فقال: يا سيدي، ما أنا إلا قطعي حرامي،
_________________
(١) لقمان ١٥.
[ ٢٢ ]
فقال له: خذ العهد تعن على ما أنت عليه، ففعل، وكان ذلك زيادة له في شره، علق المؤلف على ذلك بقوله: وهذه فضيحة له في الآخرة، وضحكة في الدنيا عند من له عقل، على التابع والمتبوع (١).
ومن المخالفات التي يذكرها المؤلف فطم الشيوخ أتباعهم عن كل علم سوى ما عندهم، وتسخيرهم في خدمتهم، ويوهمونهم أن ذلك في حقهم منفعة وتطهير لسرهم، مثل قول الشيخ للمريد: السر في التراب، والحكمة في الخدمة، فيقيمه خديما للطاحونة، وحليفا للمسحاة على حد قوله.
وعقد المؤلف فصلا للشيوخ الذين يتعززون بالطريقة، ويأكلون بالدين، ويراهم شر الناس، ويحذر الشيوخ الذين يؤثرون المعتقدين لهم على غيرهم، أو يؤثرون الأغنياء وأصحاب الجاه، كما يحذر الذين يمنون أتباعهم بالمقامات، وبما لا يقدرون عليه لأنفسهم، كحسن الخاتمة والثبات عند السؤال والصراط، وقد عرف من الشرع أن هذه المواقف لا ينفع فيها أحد أحدا، ويقول: ما قطع قلوب الأكابر إلا هذه المواقف، وإذا كان حسن الخاتمة أمرا لا يتق به الشيخ لنفسه، فكيف يدعيه في حق غيره، ودعاء الرسل عند الصراط اللهم سلم سلم - كما ورد في الصحيح - وهم أكرم الخلق على الله، فكيف بغيرهم (٢).