منذ سنوات، فسألته عن حاله وأحواله، وعن حالة العلم والتعليم في ذلك البلد.
فأخذ يحدث عن الجامعات ومخصصاتها وميزانيتها وتخصصاتها وخططها وتطلعاتها وما تسعى إليه
ثم أردف قوله بتحسر وخيبة أمل وقال:
ومع كل هذا التطور الظاهر والخطط الاستراتيجية إلا أن العلم مفقود والتعليم شكلي لا قيمة له، حاله حال كثير من جامعات دول العالم الثالث.
نتمنى أن نقف على خطط معرفيه حقيقيه ظاهرة للعيان نتائجها واضحة وملموسة خطط دعم العلم والعلماء.
خطط لدعم الأفكار الإبداعية.
خطط لدعم المؤسسات العلمية.
نحتاج إلى خطط حقيقية حتى نحقق النجاح في أعمالنا ودراساتنا وأبحاثنا.
[ ١١٣ ]
قيود التراث
لا شك أن العلم بناء معرفي وهذا البناء له أساسٌ وله شكل ظاهر وإذا أردت أن ترقى إلى السطح لا بد أن يكون ثمة بناء، فلا يعقل أن تعلو في شؤون العلم دون أدنى معرفه بالأصول العلمية والمعرفية.
ونحن اليوم نشاهد ونقرأ بعض المفكرين العرب ممن نهضت همته وعلا شأنه وارتفعت قدمه في الفكر والثقافة يتراكض إلى قامات التراث وبناءاته بالمعول الحاد للهدم والفتك لكل قامة وعلامة، وسمحوا لأنفسهم أن يتهموا جميع التراث بالعيب والنقص، ونادوا بما يعرف بالقطيعة القطيعة الإبستملوجية التي تقضي بأن هنالك في تاريخ العلوم قفزات كيفية تجعل العلم ينتقل بفضلها إلى نظريات جديدة لا يمكن أبدا النظر إليها على أنها مجرد استمرار للفكر السابق لها.
وعلى الضفة المقابلة يقف جمهورٌ آخر يدافع عن التراث ويبالغ أشد المبالغة في اتباع التراث ويتعامل مع التراث على أنه مقدس يَحرم الخروج عنه ويَحرم المساس به ولا ينبغي تجاوزه، ويجعلون أقوال بعض العلماء
[ ١١٤ ]
واختياراتهم المتعلقة بظروف عصور قبل مئات السنين قيد لازمٌ لا ينبغي تجاوزه ولا الانفكاك منه.
وهذه الطائفة لابد لها من مراجعات، ثم التفرقة بين المقدس وغير المقدس، ولا بد من معرفة أن العلم بناء يزدهر ويتطور وربما اختار السابق شيئًا نحن لا نُلزم به ولا نتقيد بظروف عصره.
وما يهمنا في هذا الباب أن الحديث عن قيود التراث أمرٌ يحتاج إلى معايير:
أولها: الاعتراف بفضل علماء التراث في كل المجالات، واحترام نتاجهم.
ثانيها: لا بأس في نقد نواتج التراث نقدًا علميًا وفق ضوابط علميه ومعرفيه.
ثالثها: محاولة إكمال البناء الذي بدأ في أعماق التراث، فالعلم والمعرفة بناء معرفي كما تقدم بدأ منذ آلاف السنين وما زال يسير في خط مستقيم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
رابعها: التصحيح والتصويب للأخطاء أمر واجب لا يُستغنى عنه.
[ ١١٥ ]
خامسا: دراسة الظروف والواقع الذي عاش فيه نتاج الفكر.
وقد أشرت في كتابي (أزمة التراث) إلى مجموعة من الضوابط والقيود والتفسيرات الخاصة بهذا الأمر.
[ ١١٦ ]