لست من هواة النقل المطول والنسخ واللصق في هذا الكتاب خصوصا -وفيما يأتي بعده بعون الله وإن كنت فعلته سابقا-، ولكن لا أبالغ إن قلت إن كلمات أبي حيان أثرت فيَّ أيما تأثير، قرأت كلامه مرات ومرات، خصوصا هذه الأيام وقد زارني أسقام وعلل حار الأطباء في حلِّها، وحولي أزيد من خمسين كتابا أنفقت الأوقات
[ ٩٣ ]
الطويلة والجهود الكبيرة في كتابتها لكنها تحتاج إلى تنقيح وتهذيب، ولا أدري إلى أي ركن آوي، ولا أعرف مصير كتبي.
وعلى كل فهذا الكلام الذي يقدم فيه أبو حيان اعتذارًا مقبولًا إلى حد ما، ولكنه نوع من رهاب الإبداع الذي أقدم عليه مجموعة من العلماء كما ذكر، وهذا الرهاب في نظر الكثير يُعدُّ ضربًا من الجنون وبغض النظر عن المبررات التي يقدمها العلماء والمؤلفون.
صحيح أن الكثير من العلماء يرجع عن رأيه وينمو فكره وتتطور معارفه فيتراجع عن بعض آرائه، وبعض الكتب يبنى على فكرةٍ في ظن الكاتب أنها فكرة باطلة، تراجع عنها.
وعند الحديث عن عذاب العلماء ورهاب الإبداع نتصور حاله العالم بين خوفه من أن يؤثر عنه ما لا يحب نشره، وهو بين صراع وحنين لما كتب، فالكاتب يتمتع بحالة نفسيه عالية الشأن لدرجة أنه يقدس ما كتب وفي نظره كتاباته لها الشأن والقبول عنده، ومع هذا التقديس إلا أنه يخاف من المجتمع، وتداعيات الكتابة، وهذا مبدأ الصراع.
[ ٩٤ ]
فالصراع يدور في عقله ويشغل جميع أوقاته، وهذا الصراع نوع مؤلم من العذاب.
وقد وقع بين يدي اليوم وقبل كتابة هذه الكلمات بساعات، في مكتبة لبيع الكتب كتاب (الإشارات الإلهية) لأبي حيان، بتحقيق المحقق المبدع عبد الرحمن بدوي، وهو من كتبه التي لم ينلها الحرق ولا رهاب الإبداع، فتاقت نفسي إليه، ولكن للأسف كان قد سبقني إلى هذا النفيس النادر أحد الأفاضل.
[ ٩٥ ]