يرى هذا الاتجاه أن الروح حقيقة الإنسان وجوهره، وأما الجسم فما هو إلا أداة تستعملها الروح، ولهذا فحقيقة سعادة الإنسان سعادة روحية وهي لا تتم إلا بالاهتمام بها وتحقيق متطلباتها وتطهيرها وتزكيتها من العلائق المادية والنوازع الشريرة، وبذلك تصبح مالكة الجسم تسيره حسب مشيئتها وتتحرر من قيود الجسم وأغلاله ومتطلباته، ولذا لا ينبغي الاهتمام بالجسم؛ لأن الاهتمام به يقوي النوازع المادية فتتسلط المادة على الروح وتشقى، ومن جهة أخرى فإن الروح هي
[ ٥٩ ]
الحقيقة الباقية بعد فناء الجسد، فالاهتمام بها يعد اهتمامًا بالسعادة الحقيقية الدائمة، تلك هي السمة العامة لهذا الاتجاه، لكنه يتشكل بصورة متفاوتة فهناك اتجاه روحي صرف يتمثل في الاتجاه الصوفي الذي يرى أن السعادة هي الرضا الروحي والسكينة الروحية، وتكتمل هذه السعادة بصورة مؤقتة عند الوصول إلى الله، ومعرفته معرفة كاملة عن طريق التطهير والتأمل، كما قال الغزالي: "إنما الوصول إليه "أي: الله" بالتجرد عن علائق الدنيا والإكباب بجملة همته على التفكير في الأمور الإلهية حتى ينكشف له بالإلهام الإلهي جليها، وذلك عند تصفية نفسه من هذه الكدورات، والوصول إلى ذلك هو السعادة"١.
أو عند المكاشفة كما يقول ابن عربي: "فإن كوشف على أن الطبيعة عين نفس الرحمن فقد أوتي خيرًا كثيرًا"٢- وقال بعضهم أيضا: "من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله تعالى"٣.
تلك هي السعادة المؤقتة في الاتجاه الروحي، أما السعادة الأبدية فتتحقق بعد انتقال الروح من عالم الدنيا إلى عالمها الأول عالم الخلود.
وهناك اتجاه روحي آخر "يتمثل في فلسفة البراهمة، وخاصة البوذية التي تطورت من البراهمة على يد واحد من زهادهم اختلف في اسمه فقيل: هو "سكياموني" وقيل: "سدهارتا جوتاما" ولقب بالبوذا أي: المستنير"٤، ترى
_________________
(١) ١ ميزان العمل للإمام الغزالي، مكتبة الصبيح، ص٢٣. ٢ فصوص الحكم لابن عربي، طبع حلبي ص ٢٣٦٦. ٣ الرسالة القشيرية للإمام القشيري، ص ٢٤٣. ٤ في الدين المقارن، الدكتور محمد كمال إبراهيم جعفر، ص ٢٤٨.
[ ٦٠ ]
هذه الفلسفة بصفة عامة أن السعادة الكاملة تتم عن طريق التخلص من هذه الحياة التي هي مصدر الآلام والأحزان والشقاء والكآبة والتعاسة، والانتقال إلى عالم الإله أو إفناء الذات في الله: "في رأي من يثبت عقيدة التأله في أصل الدين البرهمي أو البوذي"١، أو الالتحاق بعالم النرفانا "في رأي من ينكر مثل تلك العقيدة في أصل هذه الديانة"٢، والنرفانا عالم موجود مستقل بذاته لا يوجد فيه ما يسمى بالفناء أو بعدم الفناء، وليس هو هذا العالم ولا غيره، هو نهاية عالم مرحلة التألم والمعاناة، وهو عالم لا يوصف بالتركيب ولا بالقدم ولا بالحدوث٣، يسعد من يدخل في نطاقه أو يفنى فيه، والسبيل إلى ذلك هو محاربة الأهواء والرغبات المادية، وترك اللذائذ والمتع الدنيوية، وتجنب الرذائل والآثام والقبائح مثل: الكذب وشهادة الزور والزنى وإراقة الدماء وقتل البقر بصفة خاصة، ثم التحلي بالفضائل مثل الجود والعفو والقناعة والاستقامة والطهارة ودراسة الفيدا والصبر والصدق وعبادة الله٤، ومعلوم أن الانتقال من دار الشقاء إلى دار السعادة يتم عن طريق التناسخ وهو من أهم مبادئ هذه الفلسفة، وللتناسخ في هذا المذهب مراتب، ولكل مرتبة تجربة روحية خاصة، وعند انتقال الروح في هذه التجربة من المرتبة الأولى إلى أعلاها تشعر بالسعادة الجزئية، وهكذا تزيد سعادتها وتكتمل عندما ترجع إلى مصدرها الأول وهو الله٥، أو إلى النرفانا.
_________________
(١) ١ الأسفار المقدسة، الدكتور علي عبد الواحد وافي، ص ١٦٣، انظر أيضا: الملل والنحل للشهرستاني ٥ ص ١٧٥. ٢ في الدين المقارن، الدكتور محمد كمال جعفر، ص ٢٥٩ وما بعدها. ٣ التصوف طريقة وتجربة ومذهبا، الدكتور محمد كمال إبراهيم جعفر، ص ٢٨٩. ٤ الأسفار المقدسة للدكتور علي عبد الواحد وافي، ص ١٧٠-١٨٠. ٥ المرجع السابق للدكتور علي عبد الواحد وافي، ص ١٦٤.
[ ٦١ ]