الفصل الثاني: الأساس الواقعي والعلمي
أولًا: أساس الاعتدال بين الواقعية والمثالية
إذا كان الإسلام قد دعا إلى المثالية والسمو الروحي وذم الذين أخلدوا إلى الأرض وشهواتها، فإن دعوته إلى المثالية لم تكن متطرفة كبعض الدعوات الروحية الأخرى، التي كانت تدعو الإنسان إلى محاربة الطبيعة وعدم الاستسلام لضغط وقائع الحياة مهما كانت طبيعتها وشدتها؛ لأن السمو الروحي وخلاص الإنسان من آلام هذه الحياة إنما تتم -في نظرها- بمحاربة الطبيعة والتسامي على واقعها؛ ولأن السعادة لا تتم للإنسان إلا بهذه الطريقة.
كذلك لم يكن الإسلام متطرفا في دعوته إلى الحياة مع الطبيعة، كالطبيعيين الذين دعوا إلى الإخلاد إلى الأرض والحياة مع الطبيعة، والطاعة لدواعيها ومتطلباتها وعدم الاهتمام بما فوق الطبيعة وفوق الحياة الواقعة الملموسة؛ لأن الحياة مع الطبيعة -في نظرهم- هي الحياة السليمة التي تؤدي بالإنسان إلى السعادة.
بل كان اتجاه الإسلام نحو الطبيعة في إقامة نظامه الخلقي اتجاها معتدلا، وحقيقة هذا الاتجاه المعتدل تظهر إذا وضحنا الموقفين اللذين وقفهما الإسلام من الطبيعة: ففي الموقف الأول دعا إلى الاستعلاء على الطبيعة وعدم الاستسلام لها؛ لأن الإسلام طلب من الإنسان أن يكون سيدًا على الطبيعة، وسيدا على نفسه في الحياة، وذلك لا يكون إلا بتسخير قوانينها وتكييف مادتها في صورة تؤدي إلى عمران الأرض والسمو بالحياة وفقا إلى الرتبة التي أراد الله من الإنسان أن يرقى إليها في هذه الأرض بعد أن أنشأه فيها؛ لذا قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ
[ ١٣٠ ]
الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ١.
ولا يستطيع أن يكون سيدا على نفسه إلا بضبط ميوله ورغباته وحاجاته الأولية وتوجيهها وفقا للمثل العليا التي رسمها أمام الإنسان والتي تدعو إلى عدم اتباع الهوى والشهوات، وتدعو إلى التقرب إلى الله بالتسامي الروحي.
وفي الموقف الثاني دعا إلى مهادنة الطبيعة والواقع مراعاة قوانينها وعدم الاصطدام معها؛ لأن الحياة مع مخالفة الطبيعة بهذه الصورة لا يمكن أن تستمر ولا بد من أن يبوء نظام الحياة القائم على هذا الوضع بالفشل.
_________________
(١) ١ سورة هود: ٦١.
[ ١٣١ ]