خامسًا: أن نميز السنة التشريعية من السنة غير التشريعية عند معالجتنا تلك المشكلات.
فكثير من المسلمين وغير المسلمين لا يميزون بين نوعين من الأحاديث: نوع يحمل طابع الإلزام والتشريع، ونوع لا يحمل طابع الإلزام والتشريع
[ ١٩ ]
وهو يشمل الأحاديث التي تتعلق بحياة الرسول البشرية مثل حبه لبعض الأطعمة والأشربة ورغبته في بعض اللباس، وأقواله في الزراعة والتجارة والأدوية والأمور الطبية وما أشبه ذلك من الأحاديث التي لا تمت إلى الشريعة بمعناها العام.
ولقد أقر الرسول نفسه ما نقرره هنا في مسألة تأبير النخل فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم..فإنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"، وقال: "فإن كان ينفعهم ذلك "تلقيح النخل" فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله" ١، وقال أيضًا عندما سألوه عن اختياره موقع الحرب في بدر: أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الحرب والمكيدة، فقال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة " ٢، وكان قد نهى عن الغيلة في مبدأ الأمر بناء على كلام العرب أنه يضر الولد، ثم لما سمع أن الفرس والروم يغيلون ولا يضر لم يَنْهَ، فقال: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا" ٣، ومن قبل ذلك كان قد نهى بناء على ما سمع أنه يضر فقال: "لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه" ٤، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على صحة ما نقرر
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي جـ١٥ ص ١١٧-١١٨ باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون من معايش الدنيا. ٢ سيرة ابن هشام جـ ٢، ص ٤٥٢. ٣ جامع الأصول في أحاديث الرسول، كتاب النكاح، فصل في الغيلة والعزل، صحيح مسلم جـ ٢ ص ٦٧ ١٠ "والغيل جماع المرأة أثناء الحمل أو الإرضاع" ٤ تيسير الوصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول، جـ ٤ كتاب النكاح ص ٢٤٢ وجاء في ابن ماجه ما يشبه هذا المعنى انظر سنن ابن ماجه جـ١، باب الغيل ص ٣١٧.
[ ٢٠ ]
هنا.
فقال مثلا في القضاء أيضًا: "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بضعكم يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها" ١، وإذا كانت هناك بعض نصوص تدل على تشريعية كل ما يصدر عن الرسول مثل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢، فإنها مخصصة في رأينا بالأحاديث السابقة وإلا كان هناك تناقض وهذا غير موجود في الإسلام، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٣.
وتقرير هذه الفكرة له أهمية كبرى، ذلك أنه وسيلة للتخلص من كثير من المشكلات المتعلقة بالإسلام كان سببها الخلط وعدم التمييز بين نوعين من الأحاديث.
من هذه المشكلات اتهام بعض الدارسين الإسلام بأنه يخالف في بعض القضايا الحقيقة والعلم؛ لأن بعض أقوال الرسول التي أخبر بها عن بعض الأمور المتعلقة بشئون الحياة والطب لا تتفق مع ما يقرره العلم، ومنها أيضًا أن الإسلام لا يتلاءم مع العصر أو لا يساعد على تطور الحياة وتقدم المدنية؛ لأنه يقيد كل جوانب الحياة بما كانت عليه الحياة في عهد الرسول أو بمعنى خاص بحياة الرسول على ما كان عليه أكله ولبسه وشربه وأدوات تنقله وأكله في بيته؛ لأنه إذا كان ذلك شريعة فمخالفته مخالفة للإسلام وإذا كان الإسلام كذلك فإنه يدعو إلى الجمود والتأخر ولا يسمح بازدهار الحياة وتطورها، وتزمت بعض الناطقين باسم الإسلام في تلك الأمور، وتمسكهم في ضوء تلك الفكرة قد أدى إلى تشويه روح الإسلام في نظر كثير من المسلمين وغير المسلمين.
_________________
(١) ١ هداية الباري إلى ترتيب أحاديث البخاري جـ١ ص ٢٢٢. ٢ سورة النجم الآية: ٣-٤. ٣ سورة النساء الآية: ٨٢.
[ ٢١ ]
ولا ينبغي أن يفهم من تقرير هذه الفكرة أننا بذلك نريد إزالة بعض ما هو من الشريعة، بل الحقيقة أننا نريد أن نزيل من الشريعة الإسلامية ما ليس منها، ولا ينبغي أن نغفل أخيرًا خطورة هذا الموضوع إذ إنه -إذا ترك فوضى بدون قيد أو شرط- قد يفتح أمام المنحرفين بابًا لإلغاء حكم بعض الأحاديث المتعلقة بجانب التشريع بدعوى أنها ليس منه، ولذا ينبغي أن نكون على حذر تام عند تحديد وبيان كل نوع من هذين النوعين من الأحاديث.
[ ٢٢ ]