ويرى هذا الاتجاه أن السعادة هي الشعور الغالب بالسرور الدائم في جميع الظروف، وهذا الشعور يأتي نتيجة إخضاع السلوك لحكم العقل واتباع قوانينه والتمسك بالفضائل التي يأمر بها، وقد ذهب إلى هذا الاتجاه أرسطو والرواقيون في العصور القديمة، و"ديكارت" و"كانت" في العصور الحديثة، وإذا كان هناك فارق بين هؤلاء فإنما هو في الدرجة لا في النوع.
فالسعادة الحقيقية عند "أرسطو" تحصل نتيجة الحصول على جميع الخيرات الداخلية والخارجية، وهي الخيرات التامة، فهو بذلك يجمع بين الخيرات الخارجية الحسية من المال والنعم الأخرى، والخيرات الداخلية النفسية من الحكمة والمعرفة والفضيلة، إلا أنه يفضل الخيرات العقلية والنفسية على الخيرات الخارجية أي: إنه يرجح إلى الخيرات المعنوية على الخيرات المادية، فيقول مثلا: "حسب المرء الرزق الكفاف لتكون حياته سعيدة متى اتخذ الفضيلة قائدا لسلوكه"١.
والسعادة عنده درجات: الدرجة الأعلى هي التي تحصل في الحياة العقلية؛لأنها موافقة لأعلى جزء في الإنسان، ولهذا فهي حياة قدسية عنده.
والدرجة الثانية هي التي تحصل في الحياة الأخلاقية الفاضلة، وهذه الحياة حياة إنسانية، أما الحياة المادية فيسميها باللذائذ، ويعتبرها جزءا من السعادة وليست السعادة وليست من الخيرات الأعلى أيضا٢.
وقد تبنى ابن مسكويه رأي أرسطو في السعادة، ولهذا فلا داعي لتفصيل
_________________
(١) ١ علم الأخلاق إلى نيكوماخوس، أرسطو، ترجمة لطفي السيد جـ٢ ص٣٦٤. ٢ المرجع نفسه لأرسطو جـ٢ ص ٣٥٨.
[ ٦٢ ]
رأيه١، والسعادة عند الرواقية هي حالة شعورية بالسرور تحصل للإنسان نتيجة اتحاد إرادته مع إرادة الله، ونتيجة اتحاد عقله مع عقل الله، أو نظامه في الطبيعة، وعن طريق المعرفة لهذا وذلك.
ذلك أنهم يعتقدون أن نظام الكون نظام عقلي أو هو العقل الأكبر -كما يسمونه- وعقل الإنسان هو العقل الأصغر، ووظيفة هذا العقل الأخير أن يعمل وفقا لذلك النظام العقلي أو الطبيعة، فالحياة وفقا للطبيعة هي الحياة الأخلاقية الفاضلة وهي التي تؤدي إلي السعادة الحقيقية٢.
واتجاه الرواقية يشبه اتجاه أرسطو من جهة واتجاه المتصوفين من جهة أخرى، أما من الجهة الأولى فإنهم قد دعوا إلى الخضوع للعقل، واختلفوا مع أرسطو عندما دعوا إلى استئصال الشهوات من جذورها، بينما كان أرسطو لا يدعو إلى هذا، بل كان يدعو إلى إخضاعها لمنطق العقل، ومن الجهة الثانية فإنهم كانوا يدعون كالمتصوفين إلى محاربة الشهوات والابتعاد ما أمكن عن الحياة المادية المحسوسة٣.
وقد ذهب الفارابي إلى قريب من هذا الاتجاه، إذ عرف السعادة بأنها اتحاد عقل الإنسان مع العقل الفعال٤، وقد يكون ذلك عن طريق التحلي بالفضائل الأخلاقية، والابتعاد عن الشرور والرذائل الأخلاقية٥.
_________________
(١) ١ تهذيب الأخلاق لابن مسكويه، ص٦٦ وما بعدها. ٢ المشكلة الأخلاقية، الدكتور زكريا إبراهيم، ص١٤٧. ٣ الفلسفة الخلقية، الدكتور توفيق الطويل، ص٨٧. ٤ آراء أهل المدينة الفاضلة، ص٧٩. ٥ آراء أهل المدينة الفاضلة، ص٦١ طبعة صبيح.
[ ٦٣ ]
وأما السعادة عند "ديكارت" فهي الحالة الروحية أو الشعور النفسي بالارتياح الناتج عن خضوع الإرادة لحكم العقل، أو خضوع السلوك لحكم العقل أو نتيجة الحياة الفاضلة التي لا تخضع إلا للحكمة١.
والسعادة عند "كانط" هي الشعور بالخير الكامل الذي يأتي نتيجة التمسك بالفضيلة، والسعادة ليست هدفا خارجا عن الفضيلة، وليست الفضيلة علة للسعادة، وإنما هما مقترنان، والخير الكامل يجمع بين الفضيلة والسعادة معا٢.
[ ٦٤ ]