ولا سيما فيما يتعلق ببعض القضايا التي لا توجد فيها نصوص صريحة أو لا توجد نصوص قط، ولكن يجب ألا نتخذ دراستهم مأخذ القبول دائما، ولا نتخذها كذلك بداية نبدأ بها ولا نهاية ننتهي إليها، وإنما تكون واسطة بين البداية والنهاية، وهذه النقطة في غاية الأهمية ويجب أن يتنبه إليها دارسو الفلسفة الإسلامية أو التفكير الإسلامي عمومًا.
إذ إنهم يدرسون عادة فلسفة الفلاسفة المسلمين باسم الإسلام، فهم عندما يختارون موضوعات إسلامية والبحث في ميدان التفكير الإسلامي، يختارون موضوعات إسلامية عند واحد من هؤلاء الرجال، فيقولون مثلًا: الأخلاق عند ابن مسكويه أو عند الغزالي أو مشكلة الحرية بين المعتزلة والأشاعرة وما إلى ذلك، وكأنهم يمثلون الإسلام أو هم الإسلام، فالأولى أن نختار موضوعات ونبحث عنها في الإسلام ونقول: مشكلة الحرية في الإسلام والأخلاق في الإسلام وما إلى ذلك.
والخطورة كل الخطورة أن نتخذ الفلسفة الإسلامية التقليدية بداية ونهاية، ولئن فعلنا فمعنى ذلك أننا ندخل أنفسنا في متاهات قد لا نستطيع أن نخرج
[ ١٨ ]
منها، أو أننا ندخل أنفسنا في دراسة تشبه أن تكون حلقة مفرغة لا ندري أين طرفاها، وعلى أي حال سواء استطعنا أن نخرج منها أم لم نستطع فماذا نستفيد؟!
إن غاية ما قد نصل إليه هو أن نبطل رأيًا أو نرجح رأيًا على آخر، ولكننا نفقد كثيرًا من الجهد وربما انتهينا إلى شيء جديد لو استأنفنا البحث لحسابنا الخاص، ولو سلكنا هذا المسلك التقليدي لما خدمنا الفلسفة الإسلامية الحقيقية وإنما نكون قد خدمنا فلسفة هؤلاء الرجال، ولكن هل يليق بنا الآن أن نخدم الرجال ونترك خدمة الإسلام ونحن أشد حاجة إليه في العصر الحديث الذي نعاني فيه من مشكلات لم يجد لها رجال الفكر حلًّا مرضيًا بعد، ولماذا لا نلتجئ إلى الإسلام نفسه مباشرة ونلتمس منه الحل ونحاول إخراج كنوزه وإبراز شخصية فلسفته بين الفلسفات الأخرى ثم نحاول استخدامها في حل مشكلاتنا المعاصرة؟
[ ١٩ ]