أما مجال المسئولية فالحياة كلها مجال المسئولية، والمسئولية عمومًا تنقسم إلى قسمين: مسئولية فردية وأخرى غيرية أو اجتماعية.
أما المسئولية الأولى فلها مجالان: المجال الداخلي والمجال الخارجي الظاهري. فالأول مسئولية الإرادة والقصد والتصميم، فليس من الضروري العمل المادي الظاهر ليكون الإنسان مسئولًا، بل إن العزم على فعل شيء كافٍ لتحمل مسئوليته إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١، ولهذا فمن عزم على فعل شيء ثم لم يستطع تنفيذه لمانع خارجي أو لجهله بطريق التنفيذ يكون كأنه قد نفذه بالفعل٢، وكذلك إذا ترك فعلا بالإرادة، فإذا ترك مثلا ارتكاب الحرام لدافع أو لعزم خوفًا من الله وإطاعة أمره يكتب له حسنة وبعد ذلك له عملًا خيرًا؛ لأن الترك فعل أيضًا؛ فالفعل إما يكون إيجابًا وإما سلبًا. مصداق ذلك قول الرسول راويًا عن ربه: "إن الله ﷿ كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة فإن همَّ بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة فإن هو همَّ بها وعملها كتبها الله سيئة واحدة" ٣
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٨٤. ٢ يرى ابن عربي هنا بوجه عام أن من ترك سيئة يكتب له حسنة بصرف النظر عن سبب الترك مع أن النصوص توحي بأنه إذا تخلى عنها لا لعجز ولا لوجه الله لا تكتب وإذا تركها لله تكتب حسنة أما إذا تركها لعدم استطاعته للتنفيذ تكتب سيئة، وهذا موضوع الآية السابقة. انظر ابن عربي وليبنتز ص ٩٨ للدكتور محمود قاسم. ٣ فتح الباري بشرح البخاري جـ ١٤ همَّ بحسنة أو سيئة ص ١٠٦.
[ ٢٥٦ ]
وقال أيضًا راويًا عن ربه: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة" ١ فإن قوله وإن تركها من أجلي دليل لما نقول.
ولكن لا يجب أن نفهم من هذا الذي أراد السيئة وأصر عليها ولم يستطع تنفيذها لمانع ما أنه يعفى من المسئولية، فهناك فرق بين نية لم تحصل محاولة لتنفيذها، ونية حصلت محاولة ولم تنجح ولهذا قال الرسول -ﷺ: "إذا التقى مسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" ٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ ٣، والإثم الباطن هو النية على فعل الجريمة.
ولا يدخل في نطاق هذه المسئولية ما يقع في قلب الإنسان من خطرات الخير ووساوس الشر، أو بتعبير آخر حديث النفس؛ ولهذا قال الرسول عندما أسرع الصحابة بعد سماع الآية السابقة إليه وقالوا: أنكون مسئولين حتى عن وسوسة النفس: "إن الله تجاوز عن أمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم" ٤، ونزل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٥؛ لأن الإنسان لا يستطيع دفع هذه الوساوس ولا تدخل في نطاق الإرادة.
_________________
(١) ١ فتح الباري بشرح البخاري جـ ١٧، كتاب التوحيد ص ٢٤٦. ٢ فتح الباري جـ ١٤ كتاب الرقاق، باب من همَّ بحسنة أو بسيئة ص ١١٠. ٣ الأعراف: ٣٣. ٤ فتح الباري جـ ١٤، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان ص ٣٥٧. ٥ البقرة ٢٨٦.
[ ٢٥٧ ]
ونرى هنا أن الإسلام يختلف في نظرته إلى المسئولية عن كثير من المذاهب الأخلاقية وعن نظرة القوانين الوضعية ذلك أن نظرة هذه المذاهب والقوانين لا تجعل مجال الإرادة الداخلية ما لم تنفذ في العمل الخارجي مجال المسئولية إطلاقًا.
كما تختلف عن نظرة بعض الأديان السابقة على الإسلام التي كانت تعتبر الإنسان مسئولا عما تتحدث به نفسه كما يفهم ذلك من آخر الآية السابقة ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ١.
أما المجال الظاهري للمسئولية فهو السلوك المادي المحسوس سواء أكان كاملًا أو فعلا بشرط أن يكون ناتجًا عن قصد واختيار ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ ٢، وفي آية أخرى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ٣، وقال الرسول -ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ٤.. وبناء على ذلك فلا يكون الإنسان مسئولا عن سلوكه الناتج عن إكراه واضطرار، ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥، ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٦، وكذلك السلوك الناتج عن الخطأ والنسيان ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٧، ويدخل في هذا المجال أيضًا سلوك النائم والمجنون والصبي فقد قال الرسول -ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبي حتى يكبر" ٨. وفي رواية أخرى: "وعن الصبي حتى يحتلم"، وفي رواية ثالثة: "حتى يشب" ٩.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٨٦. ٢ المائدة: ٨٩. ٣ البقرة: ٢٢٥. ٤ فتح الباري بشرح البخاري جـ ١، بدء الوحي ص ١٣. ٥ النور: ٣٣. ٦ البقرة: ١٧٣. ٧ البقرة: ٢٨٦. ٨ سنن أبي داود، كتاب الحدود جـ ٤ ص ١٩٧. ٩ المستدرك على الصحيحين جـ ٤ ص ٤٨٩ كتاب الحدود.
[ ٢٥٨ ]