القسم الأول: يعاقب المسئول في الدنيا فقط، وذلك إذا ترك مقاومة الفساد لا رغبة في انتشاره ولكن لضعفه أو لعجزه عن المقاومة والعقاب، في هذه الحالة إما أن يرجع إلى العقاب الطبيعي؛ لأن انتشار الفساد في المجتمع لا بد من أن يصيبه إذا عم وانتشر ولا بد من أن يرى الضرر من انتشاره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ١، وقال الرسول -ﷺ: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تكون العامة تستطيع أن تغير على الخاصة، فإذا لم تغير العامة على الخاصة عذب الله العامة والخاصة" ٢، وإما أن يرجع إلى العقاب الإلهي فإن الله إذا رأى انتشار الفساد في أمة يعاقب هذه الأمة ويعم عقابه الصالحين أيضًا، عقابًا على تركهم مقاومة الفساد، أما إذا كانوا عاجزين عن المقاومة تمامًا فلا يعاقبون في الآخرة، مصداق ذلك قول الرسول: "إذا أنزل الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم" ٣، وللصالح أجر ما أصابه في الدنيا، وقال الرسول -ﷺ: "إذا خفيت الخطيئة لا تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة" ٤، وقال: "إذا ظهر السوء فلم ينهوا عنه أنزل الله بهم بأسه، قيل: وإن كان فيهم الصالحون، قال: نعم، يصيبهم ما أصابهم ثم يصيرون إلى مغفرة الله ورحمته" ٥.
_________________
(١) ١ الأنفال: ٢٥. ٢ منتخب كنز العمال في هامش مسند الإمام أحمد جـ ١ ص ١٤٦. ٣ التاج جـ ٥، كتاب الفتن ص ٣٠١ "وفي رواية ثم يبعثهم الله على نياتهم". ٤ التاج جـ ٥، كتاب الزهد والرقاق، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٢٢٤. ٥ منتخب كنز العمال في هامش مسند الإمام أحمد جـ ١ ص ١٤٩.
[ ٢٦٤ ]
الثاني: يعاقب المسئول في الدنيا والآخرة، وذلك إذا توانى عن مقاومة الفساد لإرادته الفساد، وإن لم يكن مريدًا للفساد وتوانى عن المقاومة لكسل أو لعدم الاهتمام، فالأول يعاقب لسوء نيته من جهة ولتركه أمر الله في مقاومة الفساد من جهة أخرى، وأما الثاني فلتركه الواجب وهو مقاومة الفساد؛ لأنه أمر إلهي وهو واجب هام من الواجبات الأخلاقية الإسلامية، وقد قال الرسول -ﷺ-: "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب من قبل أن يموتوا" ١، وقال أيضًا: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها" ٢.
الثالث: تعتبر مسؤولية فردية من جهة ومسئولية غيرية من جهة أخرى وهي المسئولية الناتجة عن إضلال الإنسان غيره بآرائه وتوجيهاته فيتبع الآخر آراءه وطريقته فهو المسئول في هذه الحالة عن إضلاله كسلوك ناتج عن نفسه ومسئول أيضًا عن حياة الآخر وكل عمل قام به هذا الآخر نتيجة تأثره بالأول، فالأول مسئول في هذه الحالة عن ذنوب الآخر كمسئولية الآخر عن هذه الذنوب ولكن مسئولية كل واحد من جهة أخرى، فالأول يتحمل تبعة إضلاله والآخر يتحمل تبعة اتباعه الضلال وفعله الجرائم، ومن هنا قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ٣.
وتحمل الإنسان مسئولية سلوك الغير في هذا الإطار ليس فيها أي غرابة
_________________
(١) ١ التاج نفس الجزء والباب للمرجع السابق ص ٢٢٤. ٢ التاج المرجع نفسه ص ٢٢٤. ٣ النحل: ٢٥.
[ ٢٦٥ ]
في التفكير الأخلاقي؛ ذلك أن الإنسان ليس مسئولا فقط عن فعل الشر، بل هو مسئول أيضًا عن دفع الشر؛ لأن هدف الأخلاق تحقيق السعادة، والسعادة لا تتحقق إلا بإنقاذ الإنسان من الشر أولا ثم تحقيق الخيرات له ثانيًا، وإنقاذ الإنسان من الشر لا يتم إلا بالكف عن الشر ودفع الشر، ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المبادئ الهامة للغاية في التفكير الأخلاقي في الإسلام، ثم إن هناك مسئولية أخرى لا يمكن يتحملها الإنسان، وهي أن يتحمل وزر الآخر بالقصد أو بالكلام كما قال الكفار للمؤمنين: اكفروا بمحمد فإننا نحمل عنكم وزر الكفر، ولهذا نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
كما أن المسلم إذا دعا الكافر إلى الإسلام فلم يؤمن ودعا المنحرف إلى الاستقامة فلم يستقم فلا يكون مسئولا عندئذ عن كفر الكافر ولا عن ضلال المنحرف، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ٢، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ٣.
لكن ينبغي أن نفرق هنا بين مسئولية المسلم عن ضلال الكافر وكفره، وبين مسئوليته عن فساد المسلم وانحرافه، فالمسئولية إزاء الكفر قاصرة على الدعوة والإرشاد فقط وليس عليه إكراههم على الإيمان ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
أما المسئولية إزاء فساد المسلم والمجتمع الإسلامي فالأمر يختلف؛ ذلك أن المسئولية هنا لا تقتصر على مجرد الدعوة والإرشاد بل تشمل أيضًا مقاومة
_________________
(١) ١ الأنعام: ١٦٤. ٢ المائدة: ١٠٥. ٣ الغاشية: ٢١ - ٢٢. ٤ يونس: ٩٩.
[ ٢٦٦ ]
الفاسد وتغيير المنكر بكل الوسائل الممكنة والمشروعة فيجب أن يستخدم كل ما يملك من وسائل التغيير أما إذا كان لا يملك شيئًا فيجب أن تكون المقاومة بالقلب وذلك بمقاطعة المنحرف وعدم التعامل معه بأي صورة من صور التعامل، وهذا هو الإنكار بالقلب الذي جاء في الحديث وهو أضعف الإيمان.
بعد هذا العرض لفكرة المسئولية في الإسلام، يبدو لي أن ذلك الغموض والتعارض قد زالا عن وجه تلك النصوص تمامًا. ونستخلص من ذلك أن الإنسان كائن مسئول قد تحمل مسئولية سلوكه الإرادي عن جدارة وأهلية وهذه المسئولية لها مستويات ودرجات تختلف بحسب اختلاف الأعمال والصورة التي تتم بها وبحسب الآثار المترتبة عليها من الناحيتين المادية والنفسية، ومسئولية الإنسان لا تقتصر على عمله النفسي والسلوكي، بل تتعداهما إلى مسئولية عن عمل غيره في إطار وحدود معينة، كما أن مسئوليته ليست قاصرة على المسئولية الدنيوية من حيث المكافأة والجزاء بل إن المسئولية الأساسية هي المسئولية الأخروية التي ينال فيها نتيجة مسئوليته بصورة عادلة.
[ ٢٦٧ ]