وأقصد من النصوص هنا بصفة خاصة الأحاديث النبوية، ذلك أن ما يخطئ فيه كثير من الدارسين أنهم ينقلون نصوصًا من هذا النوع دون التحقق من صدقها وصحتها ويستخدمونها لمجرد أنها تخدم أغراضهم؛ أو لأن أحدًا من كبار الأئمة ذكرها في أحد مؤلفاته واستخدمها لغرض ما، ويغفلون أن بعض هؤلاء الأئمة قد وقعوا في الخطأ نفسه، ونذكر منهم على سبيل المثال الإمام الغزالي وابن عربي، فإن الغزالي مثلا يذكر بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة أحيانًا في مؤلفاته، وكذلك ابن عربي فإنه على سبيل المثال قد ذكر كثيرًا من أحاديث أربعين الودعانية، وقد ذكر مخرجو الأحاديث أمثال السيوطي والصنعاني١ والمزني والفتني أن أحاديث الكتاب المذكور موضوعة سرقها ابن ودعان من واضعها زيد بن رفاعة، ويقولون أيضًا: إن كثيرًا من أحاديث أبي سعيد الخاصة بالوصية لعلي ولأبي هريرة موضوعة٢ وقد استخدم ابن عربي بعض تلك
_________________
(١) ١ الصنعاني: هو رضي الدين الحسن بن محمد بن الحسن الصنعاني. ٢ تذكرة الموضوعات للعلامة محمد طاهر بن على الهندي الفتني ص٨.
[ ٢٢ ]
الأحاديث في كتاب الوصايا في الجزء الرابع من الفتوحات.
وفي هذا الصدد أصرح وأقول: إنني لم أنقل حديثًا ولم أستخدمه في هذا الكتاب دون البحث والتخريج، وقد استعنت في ذلك بتخريج الحافظ العراقي لأحاديث إحياء علوم الدين والإمام السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة والفتني في تذكرة الموضوعات وغير هؤلاء من المحدثين، فما قال أحد من هؤلاء: إنه حديث موضوع أو ضعيف لم آخذ به وكان رعايتي في ذلك لصحة المتن أكثر من رعايتي لصحة السند.
ولا أريد هنا أن يفوتني التذكير بأنني لا أريد بهذا النقد التنقيص من قيمة رجالنا أو إساءة الظن بهم وإزالة الثقة عنهم، وإنما كل ما أريده هو عدم الاعتماد عليهم كلية في نقل الأحاديث وصحتها، وألا نتخذ آراءهم في ذلك واستخدامهم لها حجة ومعيارًا للصدق والصحة، حتى نستطيع أن نتجنب الأخطاء التي وقعوا فيها.
وهكذا نستطيع أن نقدم الفلسفة الإسلامية الخالصة وأن نعالح مشكلاتنا المعاصرة عن طريق هذه الفلسفة التي نريد لها أن تسهم في حل مشكلاتنا خاصة والمشكلات الإنسانية عامة، وعند ذلك نكون قد خدمنا الإسلام وخدمنا مجتمعنا الإسلامي بوجه خاص والمجتمعات الإنسانية بوجه عام، ولهذا كله قلت: لا بد من أن يكون الإسلام هو البداية وهو النهاية في الوقت نفسه.
هذا هو منهجنا بإيجاز في تقديم التفكير الإسلامي في المجالات المختلفة، يبدو هذا المنهج لأول وهلة غير ذي أهمية إذا لم يمعن المرء النظر والفكر فيه، إلا أن له في نظري أهمية كبيرة؛ لأنه يؤدي عند التطبيق إلى نتائج عظيمة القيمة في
[ ٢٣ ]
حياتنا الفكرية والعملية إذ إنه يؤدي عندئذ إلى إبراز الفلسفة الإسلامية الصافية بصورة واضحة ذات قيمة عظيمة بين الفلسفات والتيارات الفكرية المعاصرة وستثبت قدرتها على معالجة المشكلات الإنسانية الأساسية أكثر من أية فلسفة أخرى.
ولم يكن هذا المنهج مجرد خاطرة طافت بذهني فأسرعت إلى تسجيلها، بل كان نتيجة تأملات طويلة كنت أقضيها في الدراسات الفلسفية ونتيجة لما كنت أقوم به من مقارنات بين التفكير الإسلامي وتفكير الفلاسفة عمومًا، وقد زاد تحمسي لدراسة الفكر الإسلامي لما رأيت فيه من حقائق وخصائص كبرت في عيني فبدأت أنساق إليه وأندفع، فساقني إداركي لتلك الحقائق والخصائص من النظر إلى العمل ودفعني من التفكير إلى التطبيق.
[ ٢٤ ]