ثانيا: رأي الإسلام في الطبيعة الإنسانية:
إذا كانت دراسة الطبيعة البشرية وجدت الاهتمام الكبير عند الفلاسفة والعلماء غير المسلمين فإنها وجدت أيضا الاهتمام نفسه من الدارسين المسلمين، غير أن المعوقات التي أشرنا إليها حالت دون كشف حقيقة هذه الطبيعة.
وكما اقترنت هذه المعوقات بدراسات أولئك اقترنت أيضا بدراسات هؤلاء، ولم يؤثر ذلك في طبيعة تلك الدراسات بصفة عامة، بل أثر كذلك في طبيعة الدراسات الإسلامية التي كان بعضها يستهدف -على الأقل- بيان رأي الإسلام في هذه الطبيعة، لكن اتباع أصحابها اتجاهات ومناهج مختلفة، وتأثرهم بآراء الآخرين واتجاهاتهم أو اعتمادهم على آرائهم الشخصية السابقة على البحث والدراسة، ثم محاولتهم فرضها على الإسلام، كل ذلك كان سببا لعدم وصولهم إلى نتائج مرضية.
ولا نعدم أن نجد لديهم جهودا مخلصة، ولكن يجب أن نشير هنا إلى خطأ منهجي وقعوا فيه كما ذكرنا في المقدمة وهو: أن بعضهم كان يستخلص رأيا معينا من نص واحد، ثم يحاول تفسير رأي الإسلام كله في هذا الموضوع في ضوء ذلك الرأي المستنبط من النص الواحد، ونتج عن ذلك تصوير جزء من الحقيقة أو جانب منها فقط.
وعندما سرت على الطريقة التي ذكرتها في المقدمة في هذا الموضوع، وجمعت جميع النصوص المتعلقة بالطبيعة الإنسانية وجدتها قد تحدثت عن ثلاث نواحٍ منها:
[ ١٥٥ ]
الأولى: طبيعة خلق الإنسان والأطوار التي مر بها.
الثانية: الطباع الدفينة والمركبة في هذه الطبيعة.
الثالثة: الخصائص العامة للإنسان التي نتجت عن طبيعة التكوين بهذه الصورة.
أ- أما بالنسبة لطبيعة الخلق فقد ذكر الله سبحانه أنه خلق الإنسان أطوار: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ١، وكان أول طور هذا الخلق أن بدأ به من الأرض فأخرج الإنسان من هذه الأرض كما أخرج النبات ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ٢، ولقد شرح الرسول كيف بدأ هذا الخلق فقال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحسن والخبيث والطيب وبين ذلك" ٣، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ ٤، ثم اختلط بالماء فأصبح الماء عنصرا في تكوين الإنسان ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ٥، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٦، فأصبح التراب بذلك طينا، ومن هنا قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ ٧، بعد ذلك استخلص من الطين خلاصته ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ٨، ثم مكثت هذه السلالة حتى أصبحت طينا لازيا ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ ٩، ثم بعد ذلك صب هذا الطين اللازب في قالب معين وصوره في
_________________
(١) ١ نوح: ١٣-١٤. ٢ نوح: ١٧. ٣ الجامع الصغير جـ١ فصل الألف ص ٧٠. ٤ الروم: ٢٠. ٥ النور: ٤٥. ٦ الأنبياء: ٣٠. ٧ السجدة: ٧. ٨ المؤمنون: ١٢. ٩ الصافات: ١١.
[ ١٥٦ ]
صورة إنسان ثم تركه حتى يبس وأصبح صلصالا يرن كالفخار ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ١، ويذكر القرطبي أنه لما كان جسدا من غير روح مرت الملائكة به فلما رأته فزعت منه، وكان إبليس أشد منهم فزعا، وكان يضربه لما كان جسدا قبل نفخ الروح فيه، فكان يصوت كالجسد كما يصوت الفخار وكان يقول للملائكة أرأيتم هذا الذي لا يشبه واحدا من الخلائق٢، وقال الرسول -ﷺ: "لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه، فجعل إبليس يطوف به، فلما عرف أنه أجوف عرف أنه لا يتمالك" ٣.
وبعد أن سواه وصوره بتلك الصورة نفخ فيه الروح وأمر الملائكة بالسجود له ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٤، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ٥، وبعد خلق آدم بالأطوار السابقة خلق حواء زوجته من نفسه ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ٦، وجاء في الحديث أن الله خلق حواء من ضلع آدم: "إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء" ٧.
وعن طريق التزاوج بين آدم وحواء جاءت ذريته ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ الحجر:٢٦. ٢ تفسير القرطبي جـ١ ص٢٨٥. ٣ شرح العسقلاني للبخاري جـ٧، باب خلق آدم ص١٧١. ٤ الحجر: ٢٩. ٥ الأعراف: ١١. ٦ الأعراف: ١٨٩. ٧ فتح الباري بشرح البخاري جـ٧ باب خلق آدم وذريته ص١٧٧. ٨ الأعراف: ١٨٩.
[ ١٥٧ ]
وبهذه الطريقة تناسل بنو آدم وكثروا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١.
هنا ننتقل إلى أطوار أخرى في الخلق، وهي أطوار خلق الطفل من التزاوج، فنجد أن خلق الطفل يبدأ بتلقيح الحيوان المنوي من الرجل بالبويضة من المرأة في داخل الرحم ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ٢.
وقد ذكر القرآن هنا ثلاثة أطوار: طور النطفة ثم العلقة ثم المضغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ٣، وجاءت هذه الأطوار في آية أخرى بلفظ آخر، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٤.
وإذا نظرنا إلى رأي الأطباء في أطوار خلق الجنين، نجدهم يقسمونها تقسيمات مختلفة، لكن أغلب التقسيمات تتجه إلى اتجاهين:
الأول: تقسيمها بناء على المدة الزمنية، والثاني: بناء على التطورات في النمو والخلق، وفي التقسيم الأول منهم من يقسمها بالأسابيع ومنهم من يقسمها بالشهور، وفي
_________________
(١) ١ النساء: ١. ٢ السجدة: ٧-٨. ٣ الحج: ٥. ٤ المؤمنون: ١٢-١٤.
[ ١٥٨ ]
التقسم الثاني منهم من يقسمها بناء على الأشكال التي يأخذها الجنين، ومنهم من يقسمها بناء على أهم مراحل النمو المتميزة، وفي هذا التقسيم الأخير يمر الطفل بثلاث مراحل وأطوار هامة: طور الخلية الملقحة وانقسامها، ويسميها بعضهم مرحلة التوتة؛ لأنه يأخذ شكل التوتة في آخر المرحلة، ثم طور العلقة؛ لأن هذا الطور يبدأ بتعلق الخلية بجدار الرحم، والطور الثالث طور التخلق، وهو الطور الذي يبدأ فيه ظهور الأعضاء والأجهزة المختلفة، وهذا الطور ينتهي بالولادة١.
وبعض الأطباء يقسم تلك الأطوار إلى طور العلقة وطور المضغة ثم طور التخلق على أساس يبدأ طور العلقة من تعلق الحيوان المنوي بالبويضة٢.
ولو أننا أردنا المقارنة بين الأطوار المذكورة في القرآن والأطوار التي حددها الأطباء لوجدنا اختلافا في بعض التقسيمات، وشيئا من الاتفاق في بعض التقسيمات الأخرى، وربما كان أقرب تقسيم طبي يتفق مع القرآن هو هذا التقسيم الأخير الذي يبدأ ببداية مراحل النمو المتميزة، وينبغي أن ننبه هنا إلى أن هذه التقسيمات لا تناقض بعضها البعض من حيث الحقيقة إذ إنه من الممكن أن نقسم أي حقيقة بتقسيمات مختلفة، أو أن نسمي تقسيمات معينة بأسماء مختلفة حسب الغرض الذي يُؤْثِرُ هذا التقسيم أو ذاك.
أما الأطباء فيقولون: إن المرحلة الأولى من التلقيح إلى الغوص في جدار
_________________
(١) ١ انظر المراجع الآتية: أتكوين الجنين: الدكتور شفيق عبد الملك ص ١٢٠. ب جسم الإنسان: برنارد جلمسر. ت. د صلاح الدين سلام ص ١٤-١٥. جـ سيكولوجية الطفولة والمراهقة: الدكتور مصطفى فهمي ص ٣٦. د تفسير سورة العلق: جمال الدين عباد ص ٩٨. ٢ القرآن والطب ص ٤٩: دكتور محمد وصفي.
[ ١٥٩ ]
الرحم تأخذ ثلاثة أسابيع، والمرحلة الثانية تبدأ ببداية الأسبوع الرابع تقريبا وتنتهي بنهاية الأسبوع الثامن، والمرحلة الثالثة تبدأ من نهاية الأسبوع الثامن إلى الولادة، وهنا تقسيم زمني آخر إلا أنه لا يتفق بأي حال مع التقسيم الزمني كما ورد في بعض الأحاديث، على أي حال فإننا نلاحظ وجود التضارب بين أحاديث الباب وعدم إمكان ترجيح بعضها على بعض، وكما قلنا في المقدمة إننا لسنا ملزمين بكل ما ورد من الأحاديث في الأمور الطبية، لكل هذا نقصر اعتمادنا على الآيات في هذه النقطة.
إذًا لنعد إلى وجه المقارنة بين ما ورد من الأطوار في القرآن وبين ما جاء في الطب قلنا: إنه ليس هناك خلاف حقيقي بين القرآن والطب في هذه النقطة، وخاصة أن عرض القرآن للأطوار جاء عاما، وهو قد ورد في صدد الاستدلال على وجود الله وقدرته الفائقة، ومن هنا نرى أن القرآن أشار إلى بداية أطوار هامة، هي التي يكمن فيها السر الغامض في خلق الجنين، وإذا عرضنا بإيجاز تلك الأطوار التي أشار إليها القرآن وجدنا ألغازا في سر الخلق والقدرة الفائقة، فالطور الأول عبر عنه القرآن بأنه طور النطفة: نطفة الأب والأم أو خليتهما ثم النطفة المكونة منهما أو الخلية الملقحة التي تتكون نتيجة اتحاد الخليتين معا، والسر العجيب هنا يكمن في خلقه الخلية ثم في طريقة اتحاد الخليتين وأخيرا في تكون خلية ونموها من الخليتين السابقتين، ويقول الأطباء هنا: إن تكون الجنين يبدأ من الخلية البشرية المخصبة التي تحتوى على ٤٨ كروموزوما "صبغية" وكل كرموزوم يحوي عددا لا يحصى من الجينات: "أي الأمشاج" التي ترجع إليها خصائص الأطفال فيما بعد، والتي تكمن فيها العوامل الوراثية، وهذه الخلية
[ ١٦٠ ]
البشرية تختلف في تكوينها عن الخلية الحيوانية، فمثلا تتكون خلية الخيول من ٦٥ كروموزوما بينما تتكون خلية الكلاب من ٥٢ كروموزما، والصبغيات الثماني والأربعون التي تتكون منها الخلية البشرية يأتي نصفها من خلية الرجل والنصف الآخر من خلية المرأة، وعن طريق تزاوج كل صبغية من صبغيات المرأة بعد الإخصاب في بوق الرحم تكتمل الخلية البشرية الأولى، وبعد ذلك تبدأ هذه الخلية تنقسم على نفسها، وذلك عن طريق انقسام كل صبغيتين مزدوجتين إلى نصفين، وبذلك يصبح عدد الصبغيات ٩٦ صبغية في الخليتين ثم ينقسم كل واحد منهما إلى قسمين وهكذا يستمر هذا الانقسام، والخلية في حالة الانقسام تمر من البوق إلى الرحم حتى تلتصق في جدار الرحم وتتعلق به، وعند وصولها إلى هذه المرحلة تأخذ شكل ثمرة التوت، ويقولون: إن هذه المسيرة تأخذ أسبوعا على وجه التقريب وبعد التصاقها في جدار الرحم لا تستطيع أن تتحرك كما كانت تتحرك بحرية في قرارها في الرحم١.
وعند علوقها في جدار الرحم تنتهي المرحلة الأولى وتبدأ مرحلة العلقة.
وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى مخالفة المفسرين في تفسيرهم للعلقة بأنها: دم جامد إذ إننا لا نجد في أي مرحلة من مراحل تكوين الجنين أنه يأخذ أو يتحول إلى دم مجمد أو كتلة من الدم كما يقولون٢، واللغة تسعفنا في هذا فإن مفهوم العلقة لغويا أمران: أحدهما الدم الجامد، وثانيهما التعلق، ونحن لنا الحق أن نفسر بل الواجب أن نفسر في ضوء المكتشفات العلمية طالما تساعدنا في ذلك اللغة.
_________________
(١) ١ جسم الإنسان ص ١٤-٩٥، تكوين الجنين ص ٧٢-٩٨. ٢ القرآن والطب: دكتور محمد وصفي، دار الكتب الحديثة، ص ٤٣.
[ ١٦١ ]
كما فسروا هم في ضوء معلوماتهم وثقافتهم، وعلى حسب ما فهموا من اللغة.
ومعلوم أن الثقافة تؤثر في الفهم وتؤثر في ترجيح أحد المعاني اللغوية على الآخرى. وهذه المحاولة الجديدة لتفسير الآيات واجبة علينا؛ لأننا نجد أعداء الإسلام يتخذون تلك التفسيرات الخاطئة شاهدا ضد الإسلام، ونقطة ضعف فيه بل إنهم يقولون: إن القرآن يقول كلاما باطلا، ويستشهدون على ذلك بتلك التفسيرات الباطلة؛ لأن مكونات الدم غير مكونات الخلية، ولا يمكن أن يتحول أحدهما إلى الآخر.
ومهما يكن من أمر فإن العلقة بداية مرحلة جديدة في تكوين الجنين؛ لأن الخلية التوتية "وسميت توتية لشبهها بالتوت" في هذه المرحلة تأخذ شكل الكرة، وتبدأ الخلايا المكونة لها تتحلل إلى مادة سائلة تعمل على فصل بعضها عن بعض، وهنا يبدأ يتكون الجسم الإنساني من مجموع تلك الخلايا الباقية التي لا تدخل في ذلك التكوين إلى غلاف وقائي مملوء بالمواد السائلة لحماية الجنين، ويتصل جزء من هذا الغلاف بالرحم، وهو وسيلة لتغذية الجنين من الأم أولا وللتخلص من المواد التالفة ثانيا، ثم يتحول شكل الجنين بعد ذلك إلى شكل البيضة، ويسمونها أحيانا البويضة، غير أنه لا تظهر فيه علامات الأعضاء بعد، وربما إلى هذا أشار القرآن بالمضغة؛ لأنه بقدر ما يمضغ ولأن شكله كأنه قطعة لحم، وفي بداية المرحلة التالية يبدأ بروز الأعضاء، ثم يأخذ الجنين صورة الطفل، إلا أن هذه التقسيمات غير فاصلة كما يقول الأطباء وإنما هي أطوار أو معالم بارزة في تكوين كل جنين، هذه الأطوار تلفت الأنظار بصفة خاصة وتدعو الإنسان إلى الدهشة إذ إن أمر الخلية أو النطفة -بتعبير القرآن- أمر عجيب في خلقته ثم طريقة اتحاد الخليتين وتكوين خلية واحدة منهما ثم انقسامها بنفسها ومسيرتها في حالة
[ ١٦٢ ]
الانقسام من البوق إلى جدار الرحم والتصاقها في جدار الرحم وتغذيتها من الأم، ثم تحولها بعد ذلك قطعة جرثومية أو مضغة، وأعجب من هذا كله خلق الطفل من قطعة لحم، ولا يزال العلماء يتعجبون من سر هذا الخلق، ويتفكرون في تلك العوامل التي تلعب تلك الأدوار لتقوم تلك الخلايا بتلك الوظائف الغريبة؛ ولهذا فقد اتخذ القرآن تلك التحولات العجيبة في تكوين الجنين آية يستدل بها على تلك القدرة الخالقة الفائقة؛ ولذلك اعتبر كل طور خلقا جديدا، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ١.
تلك هي مجمل مراحل خلق الطفل في بطن أمه، وهناك أطوار أخرى بعد الولادة وهي: مرحلة الطفولة ثم المراهقة والشباب ثم مرحلة الرشد وأخيرا مرحلة الشيخوخة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ٢، ثم هناك مرحلة ثالثة وأخيرة في أطوار خلق الإنسان وهي البعث بعد الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٣، وهكذا يعرض لنا القرآن أطوار خلق الإنسان من مبدئه في الدنيا إلى منتهاه في الآخرة.
ولنا أن نسأل: هل حصل التطور في خلق الإنسان من ناحية الحجم والشكل كما تدعي ذلك النظرية الداروينية؟ لقد أجاب الرسول على هذا السؤال عندما سئل فقال: "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، فكل يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن" ٤.
_________________
(١) ١ الزمر: ٦. ٢ الحج: ٥. ٣ المؤمنون: ١٥-١٦. ٤ فتح الباري بشرح البخاري جـ٧، باب خلق آدم ص ١٧٥.
[ ١٦٣ ]
هذا الحديث يفيد حصول التطور في الحجم، ولكنه لا يفيد حصول التطور في الصورة، أو أن الإنسان تطور من حيوانات أخرى كما تدعي نظرية التطور، بل يؤكد الحديث أن صورة الإنسان اليوم هي الصورة نفسها التي خلق عليها، وأنه سيدخل الجنة بالصورة نفسها، ولقد نفى الرسول تطور الإنسان من الحيوان عندما دارت مناقشة بين الصحابة حول هذا الموضوع فقال: "إن الله لم يجعل للمسخ نسلا ولا عقبا وكانت القردة والخنازير قبل ذلك" ١، وقال: "إن الله خلق آدم على صورته" ٢.
أما حصول التطور في الحجم: في الطول والقصر وفي الضخامة والضمور وفي القوة والضغف وفي التكوين الجسمي، فقد حصل في تاريخ حياة الإنسان أو في بعض الأجناس، وقد أشار إلى ذلك الحديث السابق وتحدث عنه القرآن عندما ذكر أو تحدث عن بعض الأمم البائدة مثل ما ورد في قصة عاد قوم هود قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ ٣، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ، وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤، ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ٥، ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ٦، فهذه الآيات تدل على أن قوم عاد قد أوتوا بسطة في القوة والجسد.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم جـ١٦، كتاب القدر ص ٢١٤. ٢ فتح الباري بشرح البخاري جـ١٣، باب الاستئذان ص ٢٣٨. ٣ الفجر: ٦-٨. ٤ الأعراف: ٦٥-٦٩. ٥ فصلت: ١٥. الحاقة: ٦-٧.
[ ١٦٤ ]
وورد في القرآن أن الله مسخ من الإنسان قردة وخنازير ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١، ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ يقول ابن عباس: "إن أولئك قوم من اليهود، لما اعتدوا على ما حُرِّم عليهم أصبحوا في ديارهم قردة، ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل، وقد جعلهم الله قردة عبرة للناس الآخرين"٣، يقول ابن كثير ردا على القائلين بأن المسخ كان معنويا لا صوريا: "بل الصحيح أنه معنوي وصوري معا"٤، ونرى أن كلام ابن عباس وابن كثير وما ورد في الآية لا يتناقض مع قول الرسول سابقا، إذ إن الرسول نفى أن يكون للمسخ نسل أو عقب ولكنه لم ينف وقوع المسخ، وقد ذهب بعض الباحثين من علماء الغرب إلى أن القردة قد تحولت من الإنسان وأن أحد علماء الألمان قد أثبت ذلك في الحفريات في جنوب إفريقية٥.
على أي حال مهما كانت صورة التطور في خلق الإنسان فإنه يختلف عن نظرية التطور الداروينية، ولا تكون النظرية الإسلامية خاطئة؛ لأنها تخالف نظرية داروين كما يتوهمه بعض الناس؛ لأن نظرية داروين التطورية لم تثبت صحتها بعد، بل إن هناك براهين لكبار علماء الغرب على بطلان نظريته أو عدم ثبوتها علميا، وأجدني هنا مضطرا إلى تناول هذه النظرية من الجوانب التي يقتضيها هذا البحث
_________________
(١) ١ البقرة: ٦٥-٦٦. ٢ المائدة: ٦٠. ٣ تفسير ابن كثير، انظر تفسير الآية السابقة في البقرة جـ١ ص ١٠٥. ٤ المرجع السابق جـ١ ص ١٠٦. ٥ فلسفة النشوء والارتقاء: أرنست هيكل. ت. حسن حسين ص ٦١، وانظر كذلك مقدمة المترجم للمرجع نفسه.
[ ١٦٥ ]
حتى لا يوجه إلينا أننا نقول كلاما من غير دليل١.
_________________
(١) ١ عالجت هذه النظرية في بحث خاص معالجة مفصلة تحت عنوان: نظرية التطور الداروينية في الميزان.
[ ١٦٦ ]