ثانيًا: رأي الإسلام في حرية الإنسان والحرية الأخلاقية:
وإذا بحثنا عن رأي الإسلام في هذا الموضوع وجدنا فيه نصوصًا مختلفة المفاهيم "في الظاهر" يمكن أن نؤيد بها كل اتجاه وكل مذهب من المذاهب السابقة، لو أردنا أن نكون مذهبين: فنجد هناك مثلًا نصوصًا تؤيد "بظاهرها" الاتجاه الأول القائل بالجبرية مثل النصوص الآتية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ٢، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ ٤، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ٥، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٦، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ٧، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ
_________________
(١) ١ آل عمران: ٦. ٢ الأعراف: ١٥٥. ٣ الإنسان: ٣٠. ٤ الرعد: ١١. ٥ الإسراء: ١٦. ٦ البقرة: ٣٥٣. ٧ الأنعام: ١٢٥.
[ ٢١٨ ]
تُحْشَرُونَ﴾ ١.
ونجد كذلك نصوصًا تؤيد الاتجاه الثاني القائل بحرية الإرادة، مثل النصوص الآتية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٢، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ٣، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ٤.
وأخيرًا نجد نصوصًا تؤيد الاتجاه الثالث وهو التوسط بين الاتجاهين السابقين منها هذه النصوص الآتية: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا، إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٥، ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٦. وهناك نصوص أخرى كثيرة من هذا القبيل وسنذكر مزيدا منها عندما نعالج هذه الموضوعات المعالجة التفصيلية.
والآن إذا تأملنا في هذه النصوص المتعلقة بالاتجاهات الثلاثة السابقة يبدو لنا لأول وهلة كأن بينها تعارضًا وتناقضًا وغموضًا وقد يصبح هذا التعارض والغموض حقيقة إذا نظرنا إليها من زاوية ضيقة أو إذا أردنا أن نعالجها في
_________________
(١) ١ الأنفال: ٢٤. ٢ الكهف: ٢٧. ٣ الأنعام: ١٤٨. ٤ آل عمران: ١٤٥. ٥ الإنسان: ٢٨ - ٣١. ٦ الأعراف: ١٥٦.
[ ٢١٩ ]
ضوء مذهب فكري معين، ولكن إذا عالجناها من زاوية الفلسفة الإسلامية عمومًا يزول هذا التعارض وينجلي هذا الغموض وينفسح مجال كل فكرة وتتحدد حدودها، ومن ثم نستطيع أن نفسر كل آية دون أن يتعارض معناها مع معاني النصوص الأخرى١.
ويمكن تحديد فلسفة الإسلام في هذه القضية الكبرى عن طريق تحديد النقط الآتية:
١- قررنا في نهاية الفصل السابق أن الله خلق السماء وخلق الأرض وخلق الإنسان وخلق قوانين السماء وقوانين الأرض وقوانين الطبيعة الإنسانية ووضع نظام الأخلاق وفقًا لهذه القوانين الطبيعية ووفقًا لهدف هذا الخلق بوجه عام وخلق الإنسان بوجه خاص.
إذن لهذا الخلق غاية لا بد من أن تتحقق بتمام الغاية والانتهاء إلى ذلك المصير. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٢، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٣ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٤.
فبناء على غايته في الخلق خلق الخلق وقدره تقديرًا ينتهي إلى غايته ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٥، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٦، ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٧.
_________________
(١) ١ هنا يقول لي أستاذ: إن ابن رشد قد سبقك إلى هذه الفكرة. ٢ سورة المؤمنون: ١١٥. ٣ الأنعام: ٧٢ - ٧٣. ٤ الأحزاب: ٣٨. ٥ القمر: ٤٩. ٦ الفرقان: ٢. ٧ الأعلى: ٢ - ٣.
[ ٢٢٠ ]
إذن بناء على غايته في الخلق خلق الخلق وعلم أن ما خلق ينتهي إلى ما قدر وبناء على علمه، لهذا وذاك قدر ما سيكون عليه الخلق وقضى ثم كتب ما قدر وقضى.
من هذا نفهم وجود جبرية في العالم تتمثل أولًا في مصير الإنسان، فإنه لا بد من أن يموت مثلًا، ولا بد من أن يحيا مرة أخرى، وتتمثل أيضًا في أنه مقيد بإطار معين من أطر جبرية الكون من حيث إنه مقيد بالقوانين الطبيعية عمومًا وبقوانين الطبيعة البشرية خصوصًا.
ومن ثم جاءت النصوص التي تثبت المشيئة المطلقة والحرية لإرادة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾؛ لأن مشيئته الكلية قد سبقت الوجود أولا ولا بد من أن تتحقق ثانيًا، وإذا عبر عما سيكون عليه الأمر مستقبلًا عبر عن علمه تعالى بما سيكون عليه؛ لأنه يعلم حاضر الشيء ومستقبله، ولا يمكن أن يتغير علمه ولا يمكن أن يغير أيضًا ما كتب بناء على هذا العلم ولهذا قال الرسول: "جف القلم على علم الله تعالى" ١؛ لأن العلم هو معرفة الأسباب وما تؤدي إليه، وإذا كان الله خلق الأسباب فيعلم مقدمًا نتائج الأسباب، ويعُدُّ "ابن رشد" تلك الأسباب وما تؤدي إليه هي القضاء والقدر؛ لأن الأسباب لا تتخلف عن نتائجها ويسمى العلم بتلك الأسباب العلم بالغيب فيقول: "ولما كانت الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود لا تخل في ذلك بحسب ما قدرها بارئها عليه، وكانت إرادتنا وأفعالنا لا تتم ولا توجد إلا بموافقة الأسباب التي من خارج فوجب أن تكون أفعالنا تجري على نظام محدود أعني أنها توجد
_________________
(١) ١ التاج جـ ٥، كتاب الزهد والرقائق ص ١٩٣.
[ ٢٢١ ]
في أوقات محدودة ومقدار محدود. وإنما كان ذلك واجبا؛ لأن أفعالنا تكون سببًا عن تلك الأسباب التي من خارج، وكل مسبب يكون عن أسباب محدودة مقدرة، فهو ضرورة، محدودة مقدرة. وليس يُلقَى هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من خارج فقط، بل وبينها وبين الأسباب التي خلقها الله تعالى في داخل أبداننا. والنظام المحدود في الأسباب الداخلة والخارجة، أعني التي لا تخل هو القضاء والقدر الذي كتبه الله تعالى على عباده وهو اللوح المحفوظ، وعلم الله تعالى بهذه الأسباب وبما يلزم عنها هو العلة في وجود هذه الأسباب ولذلك كانت هذه الأسباب لا يحيط بمعرفتها إلا الله وحده ولذلك كان هو العالم بالغيب وحده على الحقيقة كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وإنما كانت معرفة الأسباب هي العلم بالغيب؛ لأن الغيب هو معرفة وجود الموجود في المستقبل أو لا وجوده"١.
إلا أن هذه الكتابة بناء على العلم لا تدل على حتمية السلوك المعين للفرد؛ لأن التقدير بناء على العلم لا بناء على الجبر، فإن الإنسان البصير قد يرى أعمى يسير نحو هاوية فيستطيع أن يعرف مصير هذا الأعمى، ولو أنه كتب هذا المصير وقضى بأنه سيقع ووقع ما كتب فلا يكون بذلك قد أجبره على الوقوع، إذن سلوك الإنسان بالنسبة إليه سلوك حر مبني على اختياره، وهو بالنسبة إلى الله حتمي وقضاء وقدر؛ لأنه علم وقدر وقضى.
٢- تتحدد حرية الإنسان بموقفه من قوانين الطبيعة وقوانين الأخلاق: فهو مأمور بتطبيق قوانين الأخلاق أدبيًا وخاضع لتطبيق قوانين الطبيعة واقعيًا.
_________________
(١) ١ مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد. تحقيق الدكتور محمود قاسم ص ٢٧٧ ط ٢.
[ ٢٢٢ ]
ولكنه يملك القدرة والاستعداد للخروج على القانونين، وذلك بناء على إحساسه بحرية الاختيار في داخل نفسه وشعوره بالقدرة على تنفيذ ما اختاره، وهذا الإحساس بالحرية والقدرة ليس مجرد وهم بل حقيقة يصدقها الواقع وهو خروجه على هذا وذاك في بعض الأحيان، فلو كان مجبورًا بالطبيعة كالحيوان لما خرج عليهما ولو كان مجبورًا بقانون الله الأخلاقي كالملائكة لما خرج عليه أيضًا.
وبناء على هذه الحرية أصبح مسئولًا أمام الله ومطالبًا بالسير على منهاج الله وطريقه الذي رسمه له، فلو كان مجبورًا على السير في طريق معين وليست له القدرة على الخروج عليه لكان عبثًا من الله أن ينزل الوحي ويطالبه بالسير على هداه، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؛ ولهذا فإن كل الآيات التي ذكرناها تثبت الحرية أو إرادة الاختيار للإنسان تعبر عن حرية الإنسان في إرادته وتصرفه في إطار معين، وقد أعطيت للإنسان إرادة الاختيار والقدرة على تنفيذ ما اختاره لاختباره وامتحانه: هل يسير على طريقه ومنهاجه الذي رسمه له أو يخرج عليه فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ١، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٢، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣.
٣- إن هناك أعمالًا تتدخل فيها إرادة الإنسان وقدرته مع إرادة الله وقدرته، فتدخل إرادة الإنسان يبدأ من نيته لعمل ما إيجابيًا أو سلبيًا وتدخل إرادة الله يبدأ بتوجيهه وتوفيقه إلى حيث تتجه نيته ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ٤، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٥، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
_________________
(١) ١ سورة الملك: ٢. ٢ محمد: ٣١. ٣ آل عمران: ١٤٢. ٤. العنكبوت: ٦٩. ٥ الصف: ٥.
[ ٢٢٣ ]
فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ ١، ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ، لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٢، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٣، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ ٤، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: يضل من يشاء الضلالة ويهدي من يشاء الإنابة.
كما يتدخل الله في عمل الإنسان بناء على أخلاقه من صلاح وفساد ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ٥، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ٦، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٧، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ .
وأخيرًا يتدخل الله في عمل العبد بناء على عمله به وما يكون عليه مستقبله ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٨، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ٩، ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ ١٠، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ١١، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ١٢، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ ١٣.
_________________
(١) ١ البقرة: ١٠. ٢ التوبة: ٤٦. ٣ الرعد: ١١. ٤ محمد: ٢٩. ٥ الأعراف: ١٤٦. ٦ غافر: ٢٨. ٧ الليل: ٥ - ١٠. ٨ الأنفال: ٢٣. ٩ الفتح: ١٩. ١٠ البقرة: ٢٦. ١١ محمد: ١٧. ١٢ الكهف: ١٣ - ١٤. ١٣ مريم: ٧٦.
[ ٢٢٤ ]
والآن على ضوء هذه الفكرة نستطيع أن ندرك حقيقة مغزي الآيات التي تجمع بين الجبرية والحرية أو بين المشيئة الإلهية وحرية الاختيار للإنسان.
٤- هناك إرادة إلهية جبرية أو قهرية وإرادة إلهية أخرى اختيارية، فهو يستعمل أحيانًا الأولى وأحيانًا أخرى الثانية بحسب ما يقتضي عدله وحكمته فبالأولى تجبر الناس على عمل معين قهرًا كما قهر قومًا على أخذ ما أتى به رسولهم ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ ٢.
ولقد سبق أن بينا أن الله لا يريد سوءًا بقوم إلا إذا ساءت نياتهم سواء أظهروها أو أخفوها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، حقًا إن الله لو أراد ألا تقع فتنة من البداية لما وقعت ولما خلق في الإنسان دوافع أو استعدادًا للفتنة ولخلقهم كالملائكة يؤمنون بالله ويفعلون ما يؤمرون ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٤، ولو شاء أن يقهر كل الناس على الإيمان لفعل ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ٥.
ولكن الله لم يرد أن يقهر الناس على كل ما يريد أن يفعلوه وإن أراد منهم أن يفعلوه، لكن هذه إرادة الاختيار لا إرادة القهر والجبر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الأعراف: ١٧١. ٢ الرعد: ١١. ٣ البقرة: ٢٥٣. ٤ يونس: ٩٩. ٥ الشعراء: ٤. ٦ الرعد: ٣١.
[ ٢٢٥ ]
وهكذا فإن الله لم يرد أن تكون إرادة الجبر قاعدة عامة في تنفيذ كل شيء وتوجيه الناس إلى أعمالهم. سواء كان الجبر الداخلي أو الجبر الخارجي بل أراد أن تكون إرادة الاختيار هي الأساس في شئون حياة الإنسان إذ إنه نصب له دلائل الخير والشر وبين له طريق الهدى والضلال وعاقبتهما في الدنيا والآخرة وخلق فيه قوة البصيرة والإدراك والتمييز ليستطيع بها التفرقة بين ما يضره وما ينفعه إن عاجلًا أو اجلًا، ولهذا اقتضت إرادته ألا يقهر الناس بعد ذلك على أحد الطريقين بل اقتضت حكمته أن يبين للناس أنه يحاسبهم ثوابًا أو عقابًا على اختيارهم لأحد الطريقين، وهذا الثواب أو العقاب قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة، ولكن الحساب العادل والجزاء الوافي سيكون في الآخرة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ٢، ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ ٣.
لا يلزم من إرادة الاختيار عند الإنسان عجزه ﷾ عن تنفيذ مراده، بل إن هذا يعتبر تنفيذًا لمراده؛ لأنه أراد هذا فكان ما أراد.
ولا يلزم أيضًا أنه بذلك أراد الشر؛ لأنه ترك حرية للإنسان أن يفعل الخير والشر مع خلق القدرة فيه لهذا وذاك، وإذا كان هذا يعتبر إرادة الشر من جهة فإن إرادة الشر هنا ليست من الله لنفسه ولا للإنسان بل من الإنسان للإنسان ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٤، فإن الله قد خلق
_________________
(١) ١ يونس: ٢٣. ٢ الإسراء: ١٥. ٣ الإسراء: ١٣. ٤ يونس: ٤٤.
[ ٢٢٦ ]
العالم بما يناسب الإنسان وخلق فيه كل ما يحتاج إليه بحكم خلقته وطبيعته، وهنا يقول ابن عربي: "واعلم أن الإنسان فيه مناسب من كل شيء في العالم فيضاف كل مناسب إلى مناسبه بأظهر وجوهه"١. وعلى الإنسان إذن أن يتصرف بما يناسبه ويوافقه ولا يخالف نظام الطبيعة الذي خلق مناسبًا له حتى لا يصيبه الشر ولكن نتيجة جهله حينا وتصرفاته الخاطئة واصطدامه بالقوانين الطبيعية والأخلاقية يصيبه الشر، فالشر إذن منه وإليه.
وأخيرًا لا يلزم من علمه تعالى أن الإنسان سيرتكب الشر، أنه بذلك أراد الشر بل إن علمه هذا لا يعتبر إرادة. فإنني عندما أضع أسئلة للامتحان مثلًا أعلم أن هناك من الممتحنين من يرسب في الامتحان ولكنني بذلك لم أرد رسوب أي إنسان ولا يرجع سبب سقوطه إلي بل يرجع إلى نفسه.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الله فإنه عندما أعطى للإنسان حرية الاختيار لم يرد من أي إنسان أن يفعل الشر بل أراد أن يتبع الخير ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، ﴿وَتِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ٣، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ٤، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ٥.
ثم إن الله بإرادة الاختيار هذه قد أراد للإنسان حرية، وبهذه الحرية أراد له الكرامة لكن هل نستطيع أن نقرر من هذا أن للإنسان مطلق الحرية؟.
_________________
(١) ١ ذخائر الأخلاق، ابن عربي ص ٩٥. ٢ البقرة: ١٨٥. ٣ آل عمران: ١٠٨. ٤ الفرقان: ٦٢-٦٣. ٥ المائدة: ٦.
[ ٢٢٧ ]
الحقيقة عندما نلفت نظرنا إلى تقريراتنا السابقة نجد هناك حرية وهناك جبرية ولكن من الجبرية والحرية درجات ولكل منهما بناء على ذلك مجالات، ولنذكر أولا درجاتهما؛ لأن كلا منهما مرتبط بالآخر ثم نقرر التقرير النهائي.
أما درجات الجبرية فهي ثلاثة:
[ ٢٢٨ ]