وليست الأخلاق الإسلامية متوافقة مع قدرات الناس واستطاعتهم فحسب بل إنها أسهل مما يطيقونه ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ١، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ٢.
نرى من هاتين الآيتين أن الله لم يعفنا فقط مما لا طاقة لنا به بل أعفانا مما نطيقه بشق الأنفس؛ لأنه تعالى لم يضع نظامه لنا ليحرجنا ويضعنا في عسر وضيق من الحياة، بل أراد هدايتنا وتيسير السبل أمامنا للوصول إلى حياة سعيدة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٣، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
_________________
(١) ١ البقرة: ١٨٤. ٢ البقرة: ٢٨٦. ٣ الحج: ٧٨.
[ ٢٤٠ ]
الْعُسْر﴾ ١، وكان الله قادرًا أن يكلفنا فوق طاقتنا ولكنه لم يفعل٢ ذلك رحمة بخلقه؛ لأنه لم ينزل رسالاته إلا رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وهنا تظهر حكمة الله البالغة في وضعه النظام بهذه الصورة، إذ إنه لو كلفنا بما نطيقه بشق الأنفس لما أمكن مسايرته إلى الأبد، فلدوام نظام معين في الحياة العملية وليبقى صالحًا زمانًا ومكانًا لا ينبغي أن يستنفد تطبيقه طاقة الإنسان كلها؛ لأن بذل آخر الطاقة بصفة مستمرة لا بد من أن يؤدي إلى الإرهاق والحياة لا تطاق بإرهاق مستمر، ومن ثم فلا بد من أن يبوء مثل ذلك النظام بالفشل. وهنا تظهر ميزة رسالة الإسلام من هذه الناحية على الرسالات السابقة حيث إنه لم تأتِ بقوانين استثنائية قاهرة كعقاب إلهي، على الأمة كلها كما حدث في الرسالات السابقة التي تحدث عنها القرآن ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ٤، وقال أيضًا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ٥، وقال أيضًا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ٦، ونقول: إن الإصر وتشديد الأحكام في
_________________
(١) ١ البقرة: ١٨٥. ٢ La Morale Du Koran Dr. M.A.Draz p.٣١. ٣ الأنبياء: ١٠٧. ٤ البقرة: ٢٨٦. ٥ الأعراف: ١٥٦-١٥٧. ٦ النساء: ١٦٠.
[ ٢٤١ ]
الرسالات السابقة كانت حالة استثنائية؛ لأن رسالات الله كلها في جوهرها واحدة وتهدف إلى غاية واحدة، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١، وكان الأمر يقتضي ألا يكون في الإسلام شيء من تلك القوانين الاستثنائية؛ لأنه خاتم الرسالات من جهة؛ ولأنه عام لكل الأمم فكان العدل الإلهي لا يقتضي عقاب الأمم الأخرى بظلم بعضها، ثم وجود مثل تلك القوانين في الإسلام لا تجعله صالحًا للتطبيق لكل الناس في كل زمان ومكان، وكما تمتاز رسالة الإسلام على الرسالات الأخرى تمتاز كذلك على بعض الفلسفات الأخرى كالفلسفة الأخلاقية البرهمية والكانطية- مثلًا- التي تتسم بالقسوة وعدم مراعاة الطبيعة الإنسانية في الظروف المختلفة.
_________________
(١) ١ الشورى: ١٣.
[ ٢٤٢ ]