بيَّنا فيما سبق صلة الأخلاق بالقوانين الطبيعية وأشرنا من حين إلى آخر إلى أن الخارج على النظام الخلقي سينال جزاءه من الطبيعة نفسها.
وقد يرجع هذا الجزاء إلى قوانين الطبيعة نفسها مثل: الإصابة بالأمراض بسبب مخالفة القوانين الأخلاقية كالإصابة بالأمراض السرية بسبب ارتكاب جريمة الزنا والأمراض التي تصيب بسبب مخالفة قانون النظافة أو تناول المسكرات.
وتجاوز حد قانون الاعتدال في العمل يؤدي إلى الإصابة بالإرهاق النفسي والعصبي ويكون هذا سببا للإصابة بالأمراض المختلفة كما يؤدي إلى الفشل في الحياة عموما؛ ولهذا كان الرسول ينهى عن الإفراط في أي عمل حتى في العبادة فقال لمن يقوم الليل ويواصل الصوم: "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك، لعينك حق ولنفسك حق ولأهلك حق قم ونم وصم وأفطر" ١.
وقد يرجع الجزاء إلى قوانين الطبيعة الاجتماعية فمخالفة قانون الصدق يؤدي إلى زوال الثقة بالأشخاص والتعامل الاجتماعي، وزوال الثقة هذا يؤدي إلى
_________________
(١) ١ صحيح مسلم كتاب الصيام حديث ١٨٨ جـ٢ ص٨١٦.
[ ٢٨٤ ]
انعدام الاطمئنان في الحياة الاجتماعية ولا خير في حياة بدون اطمئنان، كذلك الأمر لو تعدى الناس قانون حرمة النفس الإنسانية وتفشت جريمة القتل، فالأمر لا يؤدي هنا إلى زوال الحياة المطمئنة فحسب بل يؤدي إلى زوال الحياة بزوال الناس.
وهكذا نجد أن زوال الأخلاق يؤدي بوجه عام إلى زوال الحياة وأكبر جزاء على مخالفة الأخلاق هو انعدام هذه الحياة من تلك الوجوه.
ويكون الأمر على خلاف ذلك متى روعيت القوانين الأخلاقية، فالطبيعة تجازي الناس عند ذلك بالحياة السعيدة التي يسودها الاطمئنان والرخاء والمحبة؛ لأن قوانين الأخلاق عموما هي قوانين الحياة التي تضفي عليها الصفة الإلزامية والقداسة، فالأخلاق تأمر بالجدية في العمل والإخلاص، وتجنب الاصطدام بقوانين الطبيعة واحترام حقوق الناس الطبيعية والعمل من أجل خدمة الإنسانية وهي كلها قوام الحياة السعيدة الدائمة.
وهنا نجد الإسلام قد ربط قوانينه الأخلاقية بالقوانين الطبيعية فنهى عن كل شيء يضر فعله بالطبيعة وأمر كل شيء ينفع فعله بالطبيعة، وقد أوضحنا هذا في فصل سابق١.
٤- الجزاء الاجتماعي:
وهذا الجزاء نوعان: النوع الأول هو الجزاء المادي وهو ما يقرره المجتمع من عقاب للمنحرف ومكافأة للمستقيم الصالح.
_________________
(١) ١ ارجع إلى الفصل الثاني من الباب الثاني.
[ ٢٨٥ ]