وهذا الجزاء نوعان: النوع الأول هو الجزاء المادي وهو ما يقرره المجتمع من عقاب للمنحرف ومكافأة للمستقيم الصالح.
[ ٢٨٥ ]
وقد قرر الإسلام عقوبات مختلفة بحسب الجرائم المرتكبة، وأعطى حق تنفيذ العقوبة للمجتمع منها عقوبة الزنا مثلا، فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ ١، وقد طلب شهود جماعة هذا العقاب ليكون أوقع في نفس المجرم ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢، ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
وهكذا نرى أن العقاب حق المجتمع من جهة وحق الله من جهة أخرى، فحق المجتمع باعتبار المجرم قد تعدى على حرمات المجتمع؛ ولأن ضرر الجريمة لاحق بالمجتمع، والجريمة مرض في جسم المجتمع، فإذا لم يعالجه المجتمع فسينتشر فيه يوما بعد يوم حتى إذا عمه ذلك يستعصي على العلاج ويكون سببا لهلاك الجميع وهو يعتبر حق الله من جهة؛ لأن المجرم قد تعدى بجريمته حدود الله وعصى أوامره، فلله أن يجازيه في الدنيا والآخرة.
أما النوع الثاني من الجزاء فهو الجزاء الأدبي وهو عدم الاعتداد بشخصية الفاسق وعدم الثقة به، ولهذا لا تقبل شهادته ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٤، وهذا الجزاء ليس أمرا سهلا ذلك أن الفاسق يفقد بذلك شخصيته
_________________
(١) ١ النور: ٢. ٢ المائدة: ٣٨. ٣ المائدة: ٣٣. ٤ النور: ٤.
[ ٢٨٦ ]
الأدبية في المجتمع إنسانا يعتمد عليه ويوثق به، زد على ذلك أنه لا يجد الاحترام والقبول من الناس وهذا أمر صعب على النفس الإنسانية وخاصة على الذين يتمتعون بالإحساس الأدبي الرفيع وبالمكانة الاجتماعية.
وليس هذا قاصرا على الشهادة بل يشمل تولي الوظائف وإسناد المهام إليه أيضا.
وبمقابل إسقاط القيمة الأدبية للفاسقين أمر الإسلام برفع القيمة الأدبية للصالحين ورفع درجاتهم بحسب درجة أخلاقهم، فقال الرسول -ﷺ: "أنزلوا الناس منازلهم من الخير والشر" ١، وقال: "إن الهدى الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" ٢، ثم دعا الإسلام إلى مصاحبة ذوي الأخلاق الحسنة ومجانبة ذوي الأخلاق السيئة فقال الرسول -ﷺ: "إنما مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة" ٣، وقد أوصى الرسول بعدم التسليم على فاسق٤، وقاطع الرسول صلته عن الذين تخلفوا عن الحرب حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت٥، وقال الرسول -ﷺ: "تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وأَلْقَوْهم بوجوه مكفهرة والتمسوا رضا الله بسخطهم وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم" ٦.
_________________
(١) ١ كشف الخفاء جـ١ ص ٢٤٩ حديث ٢٢٩. ٢ التاج جـ٥، باب الهدى الصالح ٦٦. ٣ التاج، باب مجالسة الصالحين ص٨٢. ٤ كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري ص ٢٦٣ باب لا يسلم على فاسق حديث ١٠١٧-١٠٢٠. ٥ وقد وصف الله حالتهم النفسية بعد المقاطعةبقوله: ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ التوبة: ١١٨. ٦ منتخب كنز العمال في هامش مسند الإمام أحمد جـ١ ص١٤٦.
[ ٢٨٧ ]