إذاُ عُلم ما تقدم فإنَّه قد ورد النهي والتحذير من طلب العلم الديني لغير وجه الله كإرادة المال والجاه والرئاسة وصرف وجوه الناس ونحو ذلك ممَّا يخالف حال النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ وهديْهم ممَّا أصبح في وقتنا لا يعاب بل فيه يتنافس المتنافسون، حيث صار علم الدين كسلعة وبضاعة تُطلب للمعاوضات المالية والمقاصد السفليّة الدّنيّة.
قال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منه وما له في الآخرة من نصيب﴾. (١)
_________________
(١) الشورى، آية: ٢٠.
[ ١٥ ]
وقال تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهم يصلاها مذمومًا مدحورًا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا﴾. (١)
وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من تعلم علمًا ممَّا يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلاَّ ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة) يعني ريحها. (٢)
وعن أبي هريرة ﵁ قال في حديث طويل عن النبي - ﷺ - فيه (ورجل تعلم العلم وعلّمه وقرأ القرآن فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعلّمته وقرأت فيك
_________________
(١) الإسراء، آية: ١٧،١٨.
(٢) رواه ابن ماجه وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه.
[ ١٦ ]
القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليُقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار ) الحديث. (١)
وعن كعب بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار). (٢) والمماراة هي الجدال.
وأثر علي ﵁ لما ذكر الفتن التي تكون في آخر الزمان، فذكر أمارات وقتها فقال: (إذا تُفقّه لغير الدين، وتُعلّم العلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة). (٣)
_________________
(١) رواه مسلم وغيره.
(٢) رواه الترمذي والبيهقي وغيره.
(٣) رواه عبد الرزاق.
[ ١٧ ]
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويَهْرم فيها الكبير وتُتخذ سنة فإن غُيَّرت يومًا قيل: هذا منكر. قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلّت أمناؤكم وكثرت أمراؤكم وقلّت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم وتُفُقّه لغير الدين والتمست الدنيا بعمل الآخرة). (١)
_________________
(١) أخرجه الدرامي والحاكم.
[ ١٨ ]