(الناس حميعًا مؤمنون وكفار لا بد لهم من مراد يقصدونه، ويتوجهون إليه، على ذلك فطرهم الله، فالإنسان دائم الهم والإرادة، دائب العمل والحركة، ولذلك كان "أصدق الأسماء: حارث، وهمام" كما ورد في الحديث (١)، لأن كل إنسان حارث: بمعنى
_________________
(١) أصل الحديث رواه ابن وهب الجشمي -﵁-، وقد رواه البخارى =
[ ٥١ ]
كاسب، وكل إنسان همَّام: أي كثير الهم والإرادة.
فالإنسان مجبول على أن يقصد شيئًا، ويريده، ويستعينه، ويعتمد عليه في تحصيل مطلبه، قد يكون هو الله، وقد يكون غيره، ولكن الإنسان لا يمكن إلا أن يكون كذلك، أي له مراد يقصده، ويتوجه إليه.
والسبب في ذلك أن الإنسان فقير إلى غيره محتاج اليه، كي يَسُدَّ نقصه، ويكمل عجزه، ويحصل حاجته، وفقره هذا دائم لا يتوقف، ولا ينقطع.
ومن عجائب الإنسان أنه إذا أراد شيئًا من المخلوقات، ثم حصل عليه مَلَّه، وطلب غيره، أو أكثر منه، وفي ذلك يقول الرسول - ﷺ -: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثًا" (١)، فالنفس الإنسانية دائمة التطلاب لما لم تحصل عليه، ولم تصل إليه، وليس هناك مِن شيء يمكن أن يسدَّ فقرها وحاجتها إلا أن تصل إلى ربها ومعبودها، فتعرفه، وتقصده دون سواه، عند ذلك يجد القلب مطلوبه، وتحصل النفس على مرادها، فيكون الاطمئنان والراحة والهناء، وفي ذلك يقول رب العزة: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، فليس هناك ما يمكن أن يجلب الطمأنينة إلا الوصول إلى الرب المعبود معرفة وقصدًا وتوجهًا) (٢) اهـ.
_________________
(١) = في "الأدب المفرد" وانظر "السلسلة الصحيحة" (١٠٤٠).
(٢) متفق عليه، وفي آخره: "ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" أي: لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلىء جوفه من تراب قبره، إلا من وفقه الله وعصمه من الحرص المذموم.
(٣) "مقاصد المكلفين" ص (٣٦٥ - ٣٦٦).
[ ٥٢ ]
لقد كان يسبي القلبَ في كل ليلة ثمانون بل تسعون نفسًا وأرجحُ
يهيم بهذا ثم يألف غيره ويسلوهم من فوره حين يصبح
وقد كان قلبي ضائعًا قبل حبكم فكان بحب الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه فلست أراه عن خبائك يبرح
وكم مشتر في الخلق قد سام قلبه فلم يره إلا لحبك يصلح
هوى غيركم نارٌ تلظى ومحبس وحبكم الفردوس أو هو أفسحُ
فيا ضَيمَ قلب قد تعلق غيركم ويا رحمة مما يجول ويكدح (١)
(والنفس في طلب مرادها مترقية متسامية، تطلب الأكمل والأفضل، والكمال كله والفضل كله حازته الذات الإلهية، فإذا وجَّه الإنسانُ قصده وهمته لغير فاطره، فإنه يشقى ولا بد، لأن همومه تتعدد، وغاياته تتشتت، فإذا لم يكن هم العبد همًّا واحدًا تقاسمته هموم الدنيا، فعند ذلك لا يدري إلى أين يسير؟ ولا كيف يتجه؟ فمرة يُشَرِّقُ، ومرة يُغَرِّبُ، ومرة يعبد صنمًا، وأخرى شمسًا وقمرًا، ويحاول إرضاء هذا مرة، وذاك مرة، والذى رضي عنه قد يغضب عليه، والذي زيَّن له العمل قد يستقبحه منه بعد حين، فيئول الأمر به إلى الصراع، والقلق الروحي، والعقد النفسية، وقد ينتهي به إلى الانتحار.
أما المسلم فغايته واحدة، ومنهجه الذي يؤدى إلى هذه الغاية واحد،
وهو قادر على أن يرضي الله، ويسير على هداه، وبذلك تتوحد همته، ويتحقق مطلوبه، وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: "من كانت نيته
_________________
(١) "طريق الهجرتين" ص (١٧ - ١٨).
[ ٥٣ ]
الآخرة، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلبُ الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتَّت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كُتِب له") (١) اهـ.
ومُشَتَّتُ العزمات ينفق عُمره حيران لا ظَفَرٌ ولا إخفاق