الحَثُّ عَلَى عُلُوِّ الِهمَّةِ في القُرآنِ وَالسُّنَّةِ
تواردت نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة على حث المؤمنين على ارتياد معالي الأمور، والتسابق في الخيرات، وتحذيرهم من سقوط الهمة، وتنوعت أساليب القرآن الكريم في ذلك:
فمنها: ذم ساقطي الهمة، وتصويرهم في أبشع صورة:
* كما قص الله علينا من قول موسى -﵇- لقومه: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾، وقال تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فَأتْبعَهُ الشيطانُ فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتَّبع هواه فمثلُه كمَثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركْه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (١).
* وقال تعالى واصفًا حال اليهود الذين علموا فلم يعملوا: ﴿مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾، وقال في وصف أشباههم: ﴿وعُلِّمتم ما لم تعلموا﴾ يعنى علمتم فلم تعملوا، فما ذلكم بعلم، في حين أنه امتدح يعقوب -﵇- بقوله تعالى: ﴿وإنه لذو علمٍ لما
_________________
(١) انظر: "الفوائد" لابن القيم ص (٨٢).
[ ١٢٦ ]
علمناه﴾ أي: يعمل بما علم.
* وذم المنافقين المتخلفين عن الجهاد لسقوط همتهم، وقناعتهم بالدون، فقال في شأنهم: ﴿رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾، وبين أنهم لسقوط همتهم قعدوا عن الجهاد، فقال: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعَدُّوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ الآيات.
* وشنع -﷿- على الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، ويجعلونها أكبر همهم، وغاية علمهم، باعتبار هذا الإيثار من أسوإ مظاهر خسة الهمة، وبيَّن أنَّ هذا الركون إلى الدنيا تَسَفُّل ونزول يترفع عنه المؤمن: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾.
وقال تعالى: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا﴾ كالمجاهد يجاهد للغنيمة ﴿فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ أي: فما له يطلب أخسَّهما؟! فليطلبهما، أو الأشرفَ منهما، كما قال تعالى: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنْيا وما له في الآخرة من خلاق * ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾.
* وعاب حرص اليهود على حياةٍ، أي حياة، ولو كانت ذليلة مهينة، فقال -﷿-: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾، وحمل القرآن الكريم على المشركين الذين يعبدون آلهة مع الله باعتبار هذا الشرك من أجلي مظاهر دناءة الهمة وخبث النفس: ﴿ومن يشرك بالله
[ ١٢٧ ]
فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريحُ في مكان سحيق﴾، وقال في عابدي المسيح: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صِديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون﴾ فكيف يُعبدان من دون الله؟
* ومنها: أنه تعالى أثنى على أصحاب الهمم العالية، وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم خاتمهم محمد - ﷺ -: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ الآية، وقد تجلت همتهم العالية في مثابرتهم وجهادهم ودعوتهم إلى الله ﷿، كما أوضحه الله -﷿- في قصص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
* كما قص مواقف الهمة العالية عن المؤمنين من أتباع الأنبياء كما في قصة موسى ﵇: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾ الآية، وكما في قصة مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، وكما في قصة حبيب النجار في سورة يس، وكما في قصة داود وجالوت: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ الآيات.
* ومنها: أنه عبر عن أوليائه الذين كبرت همتهم بوصف "الرجال" (١) في مواطن البأس والجلد والعزيمة، والثبات على الطاعة، والقوة في دين الله، فقال- عز من قائل-: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا
_________________
(١) وقد صح في وصف الصحابة ﵃ أنهم: "كانوا يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال".
[ ١٢٨ ]
والله يحب المطهرين﴾، وقال سبحانه: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ الآيات، وقال -﷿-: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلًا﴾.
* ومنها: أنه أمر المؤمنين بالهمة العالية، والتنافس في الخيرات، فقال -﷿-: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾، وقال سبحانه: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، وقال: ﴿ففروا إلى الله﴾، وقال: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾، وقال: ﴿وفي ذلك فليتنافس (١) المتنافسون﴾، وامتدح أولياء بأنهم ﴿يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾.
وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًّا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا﴾ (٢).
_________________
(١) فهذا التنافس المأمور به محمود، أما التنافس الذي نهى عنه النبي - ﷺ - بقوله: "ولا تنافسوا" فهو التنافس المذموم على الدنيا وحُطامها، وانظر ص (١١٨، ١١٩).
(٢) مع أن من المعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، إلا أنه سبحانه نبه بنفي الاستواء ليذكر المؤمنين بما بينهما من التفاوت العظيم، ليأنف القاعد، ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه، وفي ارتفاع طبقته، ونحوه قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليُهابَ به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم - أفاده الزمخشري-.
[ ١٢٩ ]