قال تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾.
وامتدح سبحانه الصالحين بقوله: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾، وقال تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلًا﴾.
ولما أشار الشباب على رسول الله - ﷺ - قبل غزوة أحد - بالخروج إلى المشركن ومقاتلتهم خارج المدينة، نزل - ﷺ - على رأيهم، وبعد أن صلى النبي - ﷺ - بالمسلمين، دخل إلى منزله، فتدجج بسلاحه، فظاهر بين درعين، ثم خرج على قومه بكامل عدته الحربية، وأذن فيهم بالخروج إلى العدو، وكان ذوو الرأي قد ندموا حين شعروا أنهم استكرهوا الرسول - ﷺ - على اتباع خطة لمقاتلة العدو، كان يفضل غيرها، فقالوا له: "ما كان لنا أن نخالفك، ولا نستكرهك على الخروج، فاصنع ما شئت، امكث كما أمرتنا"، فلم يرض أن ينقض همته، وقال لهم مصممًا على الخروج: "ما ينبغي لنبى إذا لبس لأمَتَه -أي: كامل سلاحه- أن يضعها، حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" الحديث (١).
_________________
(١) رواه الطبري، وأحمد، والبيهقي، وهو حسن بطرقه.
[ ٣٥ ]
وبعد وفاة النبي - ﷺ -: أرسلت الأنصار عمر إلى أبي بكر ليحبس الجيش، أو ليولي عليهم رجلًا أقدمَ سِنًّا من أسامة، فقال أبو بكر: "والله لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أرُدَّه ما رددتُه، ولا حللت لواءً عقده رسول الله - ﷺ -"، فقال عمر: "إن الأنصار أمروني أن أبلغك، وهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنًّا من أسامة"، فوثب أبو بكر -وكان جالسًا- فأخذ بلحية عمر، فقال: "ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله - ﷺ -، وتأمرني أن أنزعه! ".
فخرج عمر إلى الناس، فقالوا له: "ما صنعت؟ " فقال: "امضوا، ثكلتكم أمهاتكم، حسبي ما لقيت في سبيلكم من خليفة رسول الله".
-وحين جاءه عمر في حروب الردة يقول: "تألف الناس، وارفق بهم"، فقال أبو بكر: "رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك!! أجبار في الجاهلية، وخوار في الِإسلام؟! إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين، أوَ يَنْقُص وأنا حي!! ".
قال عمر: "فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفت أنه الحق".
وكان هذا المبدأ -وهو عدم نقص العزم- هو ما اعتمده فريق من الهاجرين -﵃- حين استشارهم أمير المؤمنين عمر ﵁، وأخبرهم أن الوباء وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: "خرجتَ لأمرٍ، ولا نرى أن ترجع عنه" (١).
_________________
(١) هذا هو الشاهد بغض النظر عن ارتفاع خلافهم بعدُ بقياس عمر، ثم بحديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، وانظر: "فتح البار" (١٠/ ١٧٩)، "وصحيح مسلم" (٢٢١٩).
[ ٣٦ ]
- وقال جعفر الخلدي البغدادي: "ما عقدتُ لله على نفسي عقدًا، فنكثته".
- وقال صالح بن الإمام أحمد بن حنبل.
(عزم أبي على الخروج إلى مكة، ورافق يحيى بن معين، فقال أبي: "نجح، ونمضي إلى صنعاء إلى عبد الرزاق"، قال: فمضينا حتى دخلنا مكة، فإذا عبد الرزاق في الطواف، وكان يحيى يعرفه، فطفنا، ثم جئنا إلى عبد الرزاق، فسلم عليه يحيى، وقال: "هذا أخوك أحمد بن حنبل"، فقال: "حياه الله، إنه ليبلغني عنه كل ما أسر به، ثبته الله على ذلك"، ثم قام لينصرف، فقال يحيى: "ألا نأخذ عليه الموعد؟ "، فأبى أحمد، وقال: "لِمَ أغير النية في رحلتي إليه؟ "، أو كما قال، ثم سافر إلى اليمن لأجله، وسمع منه الكتب، وأكثر عنه).
- وقال الحافظ أبو إسحاق الحبال: (كنتُ يومًا عند أبي نصر السِّجزي، فدُقَّ الباب، فقُمتُ ففتحتُه، فَدَخَلَت امرأة وأخرَجتْ كيسًا فيه ألفُ دينار، فوضعَتْه بين يدي الشيخ، وقالت: "أنفِقْها كما ترى"، قال: "ما المقصود؟ "، قالت: "تتزوَّجُني، ولا حاجة لي في الزواج، ولكن لأخدمك"، فأمَرَهَا بأخذ الكيس، وأن تنصرف.
فلما انصرفَتْ، قال: "خرجتُ من سِجسِتْان بِنيّةِ طلب العلم، ومتى تزوَّجتُ سقَطَ عني هذا الأسم، وما أُوثِرُ على ثواب طلب العلم شيئًا").
***
[ ٣٧ ]