وكبيرو الهمة يتسابقون إلى المكارم، لا يكلون، ولا يملون، ولا، يقنطون ﴿وهل يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾.
وجد القنوطُ إلى الرجالِ سبيلَه وإليك لم يجدِ القنوطُ سبيلا
ولَرُبَّ فردٍ في سُمُوِّ فعاله وعُلُوِّه خُلُقًا يعادل جيلا
وهم في الناس كالعملة النادرة، أو كالكبريت الأحمر، يصدق عليهم قول رسول الله - ﷺ -: "تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة" (١).
وهم في الناس ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين:
وقد كانوا إذا عُدُّوا قليلًا فقد صاروا أعَزَ من القليل.
الواحد منهم بأمة، والفرد منهم بألف:
يعد بألفٍ من رجال زمانه لكنه في الألمعية واحدُ
_________________
(١) رواه مسلم وغيره، والراحلة: النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في إبل عُرِفت، والهاء فيها للمبالغة كما يقال: رجل نسَّابة، وفهامة، وسميت راحلة؛ لأنها تُرْحل، أي: يجعل عليها الرحْل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كعيشةٍ راضية، أي: مرضية، ونظائره. ومعنى الحديث: أن المرضَّى الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف، الحسن المنظر، القوي على الأحمال والأسفار، قليل جدًّا، كقلة الراحلة في الإبل، وانظر: "شرح النووي" (١٦/ ١٠١).
[ ٦٠ ]
آخر:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتًا إلى المجد حتى عُدَّ ألف بواحدِ
ولذا عظمت المصيبة بفقدهم، وعمت الرزية بموتهم:
تعلَّم ما الرزية فقد مالٍ ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقدُ حُرٍّ يموت بموته بشر كثير
آخر:
فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ولكنه بنيانُ قوم تَهَدَّما
قال بعض السلف: "موت العالم ثُلْمَةٌ في الإسلام، لا يسدها شىء".
ومما قيل في رثاء عمر بن عبد العزيز -﵀-:
عَمَّت صنائعه، فعم هلاكُه فالناسُ فيه كلهم مأجورُ
والناس مَأتمهم عليه واحدٌ في كل دارٍ رَنَّةٌ وزفيرُ
يُثني عليك لسانُ مَن لم تُولِهِ خيرًا، لأنك بالثناء جديرُ
رَدَّتْ صنائعُه عليه حياته فكأنه من نشرها منشورُ
وقال أبو بكر ﵁: "صوت القعقاع -أي: ابن عمرو التيمي- في الجيش خير من ألف رجل".
ولما طلب عمرو بن العاص -﵁- المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- في فتح مصر كتب إليه:
(أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن خالد).
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- يومًا لأصحابه: "تَمَنُّوا" فقال رجل: "أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا،
[ ٦١ ]
أنفقه في سبيل الله ﷿"، فقال: "تمنوا"، فقال رجل: "أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -﷿-، وأتصدق به"، ثم قال: "تمنوا"، قالوا: "ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ "، قال عمر: "لكنى أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالًا مثل أبى عبيدة بن الجراح"، أخرجه صاحب "الصفوة"، وأخرجه الفضائلي وزاد: (فقال رجل: "ما آلوت (١) الإسلام"، قال: "ذلك الذي أردت").
وقال أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن على الباقرُ:
"لكل قوم نجيبةٌ، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، إنه يُبْعَث أمَةً وَحْدَهُ".
وقال الأصمعي: لما صافَّ قتيبهُ بن مسلم للترك، وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع، فقيل: "هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه، يبصبصُ بأصبعه نحوَ السماء"، قال: "تلك الأصبعُ أحبُّ إلَّي من مئة ألف سيف شهير، وشاب طرير".
وقد يقرن ذو الهمة بالعجائب، بل يوفى عليها:
قال يحيى بن معين إمام المحدثين:
"رأيت بمصر ثلاث عجائب: النيل، والأهرام، وسعيد بن عفير".
وهو الإمام الحافظ العلامة الأخباري الثقة أبو عثمان المصري كان من بحور العلم، وحسبك أن ينبهر به يحيى بن معين!
وسئل ابن المبارك عن الجماعة؟ فقال: "أبو بكر وعمر"، فقيل
_________________
(١) أي: ما قصرت في النصح للدين.
[ ٦٢ ]
له: "قد مات أبو بكر وعمر"، قال: "فلانٌ وفلان"، قيل: "قد مات فلانٌ وفلان؟ "، قال ابن المبارك: "أبو حمزة السكري جماعة" (١).
_________________
(١) هو محمد بن ميمون المروزي، ثقة، فاضل من الطبقة السابعة، روى له الجماعة، ولم يكن يبيع السكر، وإنما سُمِّيَ السكري لحلاوة كلامه، "سير أعلام النبلاء" (٧/ ٣٨٦)، وانظر "شرح السنة" (١/ ٢١٦).
[ ٦٣ ]