يجب أن يقوم اختيار الزوجة على أساس الدين أولًا؛ لقول النبي -ﷺ-: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك» (^١).
ففي هذا الحديث، يبيّن -ﷺ- الخصال الرئيسة التي يقصدها عموم الناس في النكاح مع التأكيد على ضرورة اعتبار عنصر الدين في اختيار الزوجة، حيث يغفل عنه الناس عادة لانشغال النفس بمراعاة الدواعي الأخرى، فمن كان عنده نزعة لحب المال كانت نظرته مادية، فيبحث عن ذات المال طمعًا في مالها فحسب؛ ومن كان راغبًا في الجمال فحسب، أعمته رغبته عن ذات الدين، ومن كان ممن يبحث عن الحسب فحسب؛ وقلد الجهال الذين يقسمون المجتمع إلى طبقات ويبحثون عن الحسب والنسب ولا يولون جانب الدين أي عناية واهتمامٍ؛ بحث عن ذات حسب ونسب ولم يلتفت إلى ذات الدين، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
ويقول -ﷺ-: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (^٢).
قال الله تعالى في وصف المرأة الصالحة: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ
_________________
(١) البخاري (٤٨٠٢)، ومسلم (١٤٦٦).
(٢) مسلم (١٤٦٧).
[ ١٤٣ ]
لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، ففي الآية إشارة إلى عنصر الصلاح عند المرأة وما يؤديه ذلك من محافظتها على حق زوجها وماله وعرضه الذي هو عرضها.
ومن أسباب استقامة الفتاة وتدينها: استقامة أهلِها، فإذا كانت من بيئة طيبة كريمة وأسرة صالحة معروفة بالتدين والاستقامة والصلاح والبعد عن الانحراف، فغالبًا ما تكون الفتاة صالحة كذلك؛ لأن الأصل يتفرع عنه الفرع، وبما أنها ترعرعت ونشأت في كنف ورعاية أسرة صالحة كريمة تعظم الله وتعظم شرعه ودينه، فهي فرع منها والفرع يحن إلى الأصل دومًا.
قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، فالناس معادن كمعادن الذهب والفضة، يقول -ﷺ-: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (^١).
وإن كانت الأسرة غير صالحة نبتت الفتاة منبت سوء غالبًا والعياذ بالله.
فالمال والجمال والحسب خصال يرغب فيها الكثير من الناس، إلا أنه لا يصلح أن تكون هذه الخصال هي الأساس لهذه العلاقة المتينة فحسب؛ إذ لا بد من شيء أقوى من شهوة حب المال والجمال والحسب، يقودها ويوجهها ويهيمن عليها، ألا وهو (الدين)، وإلا انهارت هذه الصلة وأصبحت تلك الخصال بلا دين وبالًا ونكدًا وغمًّا وهمًّا على أربابها.
أما المال:
فامرأة ذات مال وبلا دين، قد يطغيها مالها ويحملها على التعالي على زوجها وأهله فتنغص حياته وتهدم كيانه، وإذا تزوجها لمالها فحسب قد يورثه الله
_________________
(١) مسلم (٢٦٣٨).
[ ١٤٤ ]
فقرها، فالمال عرض متداول بين الناس لا يدوم لأحد ولو دام لغيرنا ما وصل إلينا.
وأما الجمال:
إذا تعارض الجمال بأن كانت المرأة ذات جمال ولكن ليست ذات خلق ودين فلا اعتداد بهذا الجمال لأن المرأة إذا كانت ذات جمال لا يصحبه خلق ودين، فإنها تغدو امرأة مغرورة قد يحملها جمال لا يوجهه دين على الغرور والطغيان والتردي.
وأما الحسب:
فذات الجاه والحسب من غير دينٍ؛ امرأة قد يحملها حسبها على ازدراء زوجها واحتقاره فيتهدم بنيان الأسرة المرصوص.
وأما الدين:
أما ذات الدين فقد هذبها دينها، وإن كان معها شيء من تلك الخصال فهي تعلم أن المتفضل عليها بتلك الخصال هو ربها وخالقها، فيحملها دينها على الحمد والشكر، لا على التعالي والتمرد والغرور.
فالدين قاعدة متينة وأساس راسخ يُبْنَى عليه غيرُه، لا تنازل عنه في اختيار الزوجة الصالحة، فالمال والجمال والحسب خصال تحمد إن كانت تحت مظلة الدين، يهذبها ويوجهها ويكون هو الحاكم والمهيمن عليها.