- تعريف التقوى: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي (^١) -﵀-: «أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه» (^٢).
قال ابن القيم -﵀- في التقوى: «حقيقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالآمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالناهي وخوفًا من وعيده» (^٣).
والتقوى من أَجَلِّ وأعظم الصفات التي أمر الله تعالى بها أهل الإيمان على أن يتحلوا ويتصفوا بها، لما لها من عظيم الأثر في تطهير قلوبهم واستقامة نفوسهم
_________________
(١) ابن رجب (٧٣٦ - ٨٩٥ هـ) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، أبو الفرج، زين الدين، وجمال الدين أيضًا، ولد ببغداد، وتوفي بدمشق من علماء الحنابلة؛ كان محدثًا حافظًا فقيهًا أصوليًّا ومؤرخًا، أتقن فن الحديث وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق، تخرج به غالب أصحابه الحنابلة. من تصانيفه: تقرير القواعد وتحرير الفوائد. المشهور بقواعد ابن رجب في الفقه، وجامع العلوم والحكم. وهو شرح الأربعين النووية، وشرح سنن الترمذي، ومعه شرح العلل آخر أبوابه، وذيل طبقات الحنابلة. الدرر الكامنة (٢/ ٢٢١)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٣٩)، ومعجم المؤلفين (٥/ ١١٨).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٥٨).
(٣) زاد المهاجر (١/ ١٠).
[ ١٧٦ ]
وصلاح أحوالهم، وهي من أهم وأسمى وأعظم وأَجَلِّ مقاصد الشريعة الإسلامية، وعليها يدور مدار جميع التكاليف الشرعية في دين رب البرية.
والتقوى رتبة من مراتب الإيمان العالية والغالية، ولأهلها عند الله درجة رفيعة ومكانة سامية، لا ينالها المؤمن إلا بالصبر والمصابرة ومجاهدة النفس على طاعة الله ومراقبته وخشيته، وأطرها على لزوم الأمر واجتناب النهي والتقرب إلى الله بما يحب ويرضى من جميع أنواع العبادات الظاهرة والباطنة.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
- قال الإمام ابن كثير -﵀-: «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا (قَوْلًا سَدِيدًا). أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١] وذلك أنه يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم» (^١).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
وبَيَّنَ ربنا ﵎ أن خير الزاد الذي ينفع العبد في الآخرة هو التقوى
_________________
(١) تفسير ابن كثير (جـ ٣) (ص ٦٢٩).
[ ١٧٧ ]
فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
والتقوى في القرآن الكريم هي وصية الله -﷿- للأولين والآخرين، قال -جل وعلا-: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
- قال الإمام الطبري -﵀- في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، يقول: «ولقد أمرنا أهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل «وإياكم»، يقول: وأمرناكم وقلنا لكم ولهم: «اتقوا الله»، يقول: احذروا الله أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه» (^١).
وبَيَّنَ ربنا ﵎ أن خير الزاد الذي ينفع العبد في الآخرة هو التقوى فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
ولقد أمر الله تعالى عباده بالتقوى في مواضع شتى من كتابه المجيد، فقال -جل وعلا-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
- قال ابن مسعود -﵁- في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: «أن يطاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَرَ فلا يُكْفَر».
- وعن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: «لم
_________________
(١) تفسير الطبري (جـ ٩) (ص ٢٩٥).
[ ١٧٨ ]
تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم».
وروي عن أنس -﵁- أنه قال: «لا يتقي اللهَ العبدُ حق تقاته حتى يخزن لسانه» (^١).
وقال الإمام الطبري -﵀-: «يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر من صدّق الله ورسوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، خافوا الله ورَاقبوه بطاعته واجتناب معاصيه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، حقّ خوفه، وهو أن يُطاع فلا يُعْصَى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر، ويُذْكَرَ فلا يُنْسَى ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾، أيها المؤمنون بالله ورسوله ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لربكم، مذعنون له بالطاعة. مخلصون له الألوهيةَ والعبادة» (^٢).
والتقوى وصية الله تعالى لأتقى الخلق -ﷺ-، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١].
ولعظم شأن التقوى: كان -ﷺ- يسأل ربه ويتزلف إليه بأن يرزقه التقوى فيقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (^٣).
فالله أمره بالتقوى فسألها، ولزمها، ودعا أمته لزومها، فعن أبي ذر الغفاري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (جـ ١) (ص ٤٧٦).
(٢) تفسير الطبري (جـ ٧) (ص ٦٤).
(٣) صحيح مسلم (٢٧٢١).
[ ١٧٩ ]
وخالق الناس بخلق حسن» (^١)، ويقول -ﷺ-: «اتق المحارم تكن أعبد الناس» (^٢).
وختامًا فإن التقوى من أَجَلِّ وصايا الأنبياء -﵈- لأقوامهم:
* فهذا نوح -﵇- ينادي قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ [الشعراء: ١٠٦].
* وهذا هود -﵇- يأمر قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ [الشعراء: ١٢٤].
* وهذا صالح -﵇- يوصي قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢)﴾ [الشعراء: ١٤٢].
* وهذا لوط -﵇- يخوف قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١)﴾ [الشعراء: ١٦١].
* وهذا شعيب -﵇- يحذر قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [الشعراء: ١٧٧].
* وهكذا كان شأن جميع الرسل في دعوتهم لأممهم، وعلى هذا سار الأمراء والمصلحون في كل زمان مع أتباعهم، جعلنا الله وإياكم من عباده المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
والتقوى قاعدة من أهم قواعد هذا الدين وأساسه المتين الذي تقوم عليه شرائعه العظام وتوجيهاته وأخلاقه وآدابه الكبار، فيجب أن يكون المربي القدوة صالحًا في نفسه تقيًّا لربه، فالتقوى تؤهله للقيادة والريادة، وأن يصبح قدوة حسنة يصلح أن يتأسى به العباد، ويكون قدوة صالحة يأتم به الحاضر والباد.
كما هو شأن عباد الرحمن في دعائهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤].
- قال قتادة: «أي: قادة في الخير، ودعاة هدى يؤتم بنا في الخير» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٩٧).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة حديث (رقم: ٩٣).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٢٥١).
[ ١٨٠ ]
ولذا يقول الحق جل في علاه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].