الإنسان مخلوق اجتماعي، منفعل ببيئته، متأثر بها ومؤثر فيها، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنّه يمكنه العيش في مجتمع فاسد أو بين أناس فاسدين دون أن يتأثَّر بهم بنحو من التأثّر، فقد ورد في القرآن الكريم، على سبيل المثال، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنَّ الانحراف الذي أصاب سلوك هذا الظالم تأتَّى من مرافقته لخليل استطاع أن يضلَّه بالرغم من معرفته بكلام الله (الذكر). وبدعوة الرسول -ﷺ-.
وقد أكَّدت الدِّراسات التربويَّة الحديثة على خطورة النمذجة كعنصر مؤثِّر وفعَّال في تشكيل سلوك الأولاد والناشئة.
_________________
(١) السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مرجع سابق (جـ ١) (ص ٥١).
[ ٢٠٤ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (^١).
فالقرين يمكنه التأثير في قرينه، خاصة إذا كان بمثابة القدوة، ويكون ذلك عن طريق:
١ - الإغواء الفكريُّ: يتأثَّر الإنسان عمومًا بأفكار من يرافقه، كما مرّ في الحديث السابق، وللقرين، المقارب في العمر تأثير مضاعف، يقول تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات: ٥١ - ٥٥].
٢ - الإغواء النفسي والعاطفي: ثمَّة طريق آخر للإغواء وهو الإغواء عبر التأثير في العواطف، يقول تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥]، ويتمُّ ذلك عبر التزيين، والإغواء النفسي والعاطفي، بإظهار الأمور على غير حقيقتها، بطريقة تميل إليها النفس وتهواها.
٣ - الإغواء السلوكيُّ: يتأثر الإنسان، من حيث يدري أو لا يدري، بسلوك مَن يعاشر، ويتعاظم الإغواء السلوكيِّ عندما يندمج الإنسان في جماعة، تمارس سلوكًا سيئًا.
ومن أظهر الأدلة على ذلك التماهي في الضحك لمجرد رؤية مجموعة
_________________
(١) شعب الإيمان ١٢/ ٤٤) (٨٩٩٠) صحيح.
[ ٢٠٥ ]
تضحك، وحتى من غير معرفة السبب؛ وكذلك البكاء أو الصراخ أو الهتاف .. لذا شدَّدت وصايا الصلحاء على عدم مصاحبة المنحرفين عن جادَّة الصواب.