أما البشارة التي جاءت للزوج الذي يحسن صحبة زوجته، فهي أن النبي -ﷺ- شهد له بكمال الإيمان الموجب لدخول الجنة، وبالأفضلية على سائر الناس.
فعن أبي هُريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يَفْرُك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر- أو قال: غيره» (^٢).
ومعنى «يَفْرُك»: يبغض. ومعنى ذلك أن يتغاضى عمّا لا يمس الدين أو الخلق مما لا يوافق رغبته نظير الكثير من الأخلاق المرضية فيها. إذ إنه لا تتم السعادة الزوجية إلا بأن يؤدي كل من الزوجين ما يجب عليه نحو الآخر، لكن بعض الأزواج قد يتعسف في استعماله حقه على زوجته فلا يراعي كرامتها وإنسانيتها، فضلًا عن حقها في الإسلام فتجده يهينها ويظلمها ويماطل في أداء حقوقها.
وحتى لو كره الرجل من زوجته بعض الطباع التي لا تنتقص من دينها ولا تخدش من عرضها فعليه أن يصبر عليها ويتحمّلها لما في ذلك من العواقب الحميدة.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذيُّ في سننه: كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي -ﷺ- (رقم: ٣٨٩٥)، وابن حبان في صحيحه بترتيب ابن بلبان: كتاب النكاح، باب معاشرة الزَّوجين، (رقم: ٤١٧٧): كلاهما من طُرق عن: محمد بن يوسف: حدَّثَنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة -﵂- به، وقال الترمذي: «حسن غريب صحيح»، وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (برقم: ٢٨٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء (رقم: ١٤٦٩).
[ ١٦٠ ]
كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]، وفي المقابل فإن بعض النساء قد تترفَّع وتتعالى على زوجها وتتمنَّع من أداء حقه عليها ولا تخضع لقوامته عليها فينشأ الخلاف ويتصدع بنيان الأسرة المرصوص، وهذا خلق لا يرتضيه الإسلام ولا تتحقق معه المصالح الزوجية ولا تنشأ عنه في الغالب أسر صالحة مستقرة، فالواجب التوبة والأوبة والتزام العشرة بالمعروف بين الزوجين، حتى ينعما جميعًا بحياة هنيئة طيبة مطمئنة ترفرف فيها السعادة بجناحيها في جنبتي البيت.
يقول العلامة ابن العربي المالكي (١) -﵀-: (^١) «وحقيقة «عشر» في اللغة العربية الكمال والتمام، ومنه: العشيرة، فإنه بذلك كمل أمرهم، وصح استبدادهم عن غيرهم، وعشرةٌ تمام العقد في العدد، فأمر الله سبحانه الأزواج إذا عقدوا على النساء أن يكون أَدَمَةُ ما بينهم وصحبتهم على التمام والكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأقر للعين، وأهنأ للعيش، وهذا واجب على الزوج، ومن سقوط العشرة تنشأ المخالعة، وبها يقع الشقاق، فيصير الزوج في شق، وهو سبب الخلع» (^٢).
_________________
(١) ابن العربي (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ) هو: محمد بن عبد الله بن محمد، أبو بكر، المعروف بابن العربي. حافظ متبحر، وفقيه، من أئمة المالكية، بلغ رتبة الاجتهاد. رحل إلى الشرق، وأخذ عنه الطرطوشي وأبو حامد الغزالي، ثم عاد إلى مراكش، وأخذ عنه القاضي عياض وغيره. أكثر من التأليف. وكتبه تدل على غزارة علم وبصر بالسنة. توفي بفاس (٥٤٣ هـ)، وهو غير محيي الدين بن عربي الملحد. من تصانيفه: عارضة الأحوذي شرح الترمذي، وأحكام القرآن، والمحصول في علم الأصول، ومشكل الكتاب والسنة، وشجرة النور الزكية (ص ١٣٦)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٠٦)، والديباج (ص ٢٨١).
(٢) أحكام القرآن، لابن العربي المالكي (٢/ ٣٦٣) بتصرف يسير.
[ ١٦١ ]
ويقول العلامة الجصاص (^١) الحنفي: معلقًا على هذه القاعدة ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] «هو أمر للأزواج بعشرة نسائهم، ومن المعروف:
أن يوفيها حقها من المهر، والنفقة، والقَسْمِ، وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراضِ عنها والميل إلى غيرها، وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ذنب» (^٢).
- وقال الغزالي في الإحياء: «والمعاشرة بالمعروف تكون بِحُسْن الخُلُق معها، وكف الأذى عنها؛ بل احتمال الأذى منها، والحِلْم عن طيشها وغضبها؛ اقتداءً برسول الله -ﷺ- فقد كانتْ أزواجه تراجعْنَه الكلام؛ بل أن يَزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة، والمزاح والملاعبة، فهي التي تُطَيِّب قلوبَ النساء، وقد كان رسول الله -ﷺ- يمزح معهنَّ» (^٣).
وليتدبر كلٍّ من الزوجين ما قصّه الله تعالى في سورة الطلاق من أحكام وتوجيهات عظيمة، فإن الله تعالى -لما ذكر أحكامًا متنوعة في تلك السورة-
_________________
(١) أبو بكر الجصاص (٣٠٥ - ٣٧٠ هـ، ٩١٧ - ٩٨٠ م): الجصاص الحنفي هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص، ولد في مدينة الري سنة (٣٠٥ هـ)، ونشأ فيها، ثم رحل إلى بغداد سنة (٣٢٥ هـ)، كان إمام الحنفية في وقته، واستقر التدريس له ببغداد، وانتهت الرحلة إليه، واشتهر بالورع والزهد، وله تصانيف كثيرة، وتوفي في السابع من ذي الحجة سنة (٣٧٠ هـ). ينظر: ترجمته في: مقدمة كتابه: أحكام القرآن (ص ٤، ٥)، والفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي (ص ٢٧، ٢٨).
(٢) أحكام القرآن، للجصاص (٣/ ٤٧).
(٣) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي (٢/ ٤٣)
[ ١٦٢ ]
عقّبَ على كل حكم بذكر فوائد التقوى التي هي سبب كل خير، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال -﷿-: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤].
وقال تقدس اسمه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥]؛ ولعل السر في تتابع هذه التعقيبات: أن أحوال الطلاق عقب الفراق - مع وجود الحمل والإرضاع أو بقاء العدة - قد تحمل أحد الطرفين على التقصير والبغي، ونحو ذلك من التجاوزات، فجاءت هذه التعقيبات الإلهية لتبشر المتقين، ولتحذير المجانبين للتقوى، بأن أضداد هذه الوعود الإلهية ستحصل إن أنتم فرطتم في تطبيق شرع الله، ويوضح هذا المعنى ختم السورة بهذه الآية المخوفة، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾ [الطلاق: ٨ - ١٠].
ولقد كان سلف هذه الأمة يفقهون حقًّا معاني هذه النصوص العظيمة، ومن ذلك هذه القاعدة القرآنية المحكمة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
فهذا حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس -﵁-، يقول: كما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: «إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وما أحب أن أستنطف -أي: (أستوفي) - جميع حقي عليها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ
[ ١٦٣ ]
عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]» (^١).
وبعد فهذه هي نظرة الإسلام العميقة للعلاقة الزوجية، اختصرتها هذه القاعدة القرآنية المحكمة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وكذلك: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهي علاقة قائمة على المعاشرة بالمعروف، وعلى الصبر على ما قد يبدر من الطرفين من تقصير، فإن كانت العلاقة غير قابلة للاستمرار فيأتي الأمر بالتسريح بالمعروف والإحسان - أيضًاـ الذي يحفظ حق الكرامة لكلا الطرفين؛ كلُّ هذا يجعل المؤمن يفخر ويحمد الله على هدايته وانتمائه لهذه الشريعة العظيمة الكاملة من كل وجه، وينظر بعين المقت لتلك الأقلام الهابطة، والدعوات السيئة التي تجرئ المرأة إذا رأت من زوجها ما تكره - أو توحي للرجل إذا رأى من زوجته ما يكره - أن ينحرف قلبه قليلًا عن مساره الشرعي (^٢).