المعاشرة بالمعروف
بيان معناها ومدلولاتها:
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
إن الأسرة المسلمة تتكون أصولها من الأبوين المسلمين الصالحين ثم تأتي الذرية الصالحة لتصبح نواة لمجتمع مسلم، وهذا لا يتم إلا إذا تحققت المعاشرة بالمعروف بين الزوجين؛ وذلك بأن يؤدي كل واحد منهما واجبه تجاه صاحبه.
فللزوج على زوجته طاعته بالمعروف وتمكينه مما أباح الله له من الاستمتاع والقرار في البيت وعدم الخروج منه إلا بإذنه، والقيام على شؤون بيتها وتربية أبنائها، ولها عليها من الحقوق مثل الذي له عليه، إلا ما خصَّ الله به الأزواج دون الزوجات.
قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فلها على زوجها السكنى والنفقة والكسوة بالمعروف، ولها عليه معاشرتها بالمعروف، ويشمل ذلك البيتوتة عندها وإعفافها وتوجيهها لكل خير وإعانتها عليه.
[ ١٥٠ ]
هذا الإجمال وسيأتي التفصيل بإذن الله تعالى.
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
فالمعاشرة بالمعروف قاعدة قرآنية محكمة جاءت ضمن سياق توجيه رباني عظيم، يقول الله تعالى فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
ومما يعين على فهم هذه القاعدة، أن نُذَكِّرَ بسبب نزول هذه الآية الكريمة، فقد روى البخاري في «صحيحه»، عن ابن عباس -﵄- قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضُهم تزوجها، وإن شاؤوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لم يُزَوِّجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك (^١). إن من تأمل وتدبر دلالات هذه القاعدة العظيمة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] أدرك أن الله تعالى ردّ أمر المعاشرة إلى العرف، لم يحدده بشيء معين؛ لاختلاف الأعراف والعادات بين البلدان كما هو معروف وظاهر، ولاختلاف مكانة الأزواج من الناحية المالية والاجتماعية، إلى غير ذلك من صور التفاوت التي هي من سنن الله في خلقه، ولعظيم موقع هذه المعاني التي دلت عليها هذه القاعدة القرآنية: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. أكّد النبي -﵌- هذه الحقوق في أعظم مجمع عرفته الدنيا في ذلك الوقت. حين خطب الناس في يوم عرفة في حجة الوداع، فعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال -ﷺ-:
_________________
(١) البخاري (٤٣٠٣).
[ ١٥١ ]
«فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه؛ فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (^١).
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، والمقصود التنبيه على عظيم موقع هذه القاعدة الشرعية، والتي يتألم المؤمن من كثرة ما يرى من هتك لحرمتها، وعدم مراعاة لحدودها! فترى بعض الرجال لا يحسن إلا حفظ وترديد الآيات والحقوق التي تخصه، ولا يتحدث عن النصوص التي تؤكد حقوق زوجته، فـ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١] (^٢).
ومن هنا يتأكد: وجوب بيان حقي الزوجين أحدهما على الآخر، وذلك إعذارًا إلى الله في وجوب البيان من جهة، ومن جهة أخرى ليصبح كل من الزوجين على بينة من أمره.