تعريف الاستقامة:
الاستقامة هي: «سلوك الطريق المستقيم، وهو الدّين القويم من غير تعويج عنه يَمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطَّاعات كلّها الظَّاهرة والباطنة، وترْك المنهيَّات كلّها كذلك» (^٤).
«وسئل صدّيق الأمّة أبو بكر (^٥) -﵁- عن الاستقامة، فقال: «ألّا تشرك بالله
_________________
(١) الفوائد (ص ١٨١).
(٢) الربيع بن خثيم بن عائذ الإمام القدوة العابد أبو يزيد الثوري الكوفي، أحد الأعلام، أدرك زمان النبي -ﷺ- وأرسل عنه، وروى عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري، وعمرو بن ميمون، وهو قليل الرواية إلا أنه كبير الشأن حدّث عنه الشعبي، وإبراهيم النخعي، وهلال بن يساف، ومنذر الثوري، وهبيرة بن خزيمة، وآخرون، وكان يعد من عقلاء الرجال، روى عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: كان الربيع بن خثيم إذا دخل على ابن مسعود لم يكن له إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه فقال له ابن مسعود: يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين، فهذه منقبة عظيمة للربيع -توفي سنة (٦٥ هـ) - الموسوعة الحرة، وينظر: وفيات الأعيان، والبداية والنهاية، وسير أعلام النبلاء.
(٣) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٥٩).
(٤) جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ١٩٣).
(٥) أبو بكر الصديق (٥١ - ﷺ- هـ - ١٣ هـ) هو: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر. من تيم قريش. أول الخلفاء الراشدين، وأول من آمن برسول الله -ﷺ-. من أعاظم الرجال، وخير هذه الأمة بعد نبيها. ولد بمكة، ونشأ في قريش سيدًا، موسرًا، عالمًا بأنساب= =القبائل حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، أسلم بدعوته كثير من السابقين. صحب رسول الله -ﷺ- في هجرته، وكان له معه المواقف المشهورة. ولي الخلافة بمبايعة الصحابة له. فحارب المرتدين، ورسخ قواعد الإسلام. وجه الجيوش إلى الشام والعراق ففُتِحَ قِسْمٌ منها في أيامه. الإصابة، ومنهاج السنة (٣/ ١١٨)، و«أبو بكر الصديق» للشيخ علي الطنطاوي.
[ ١٨٦ ]
شيئًا. يريد الاستقامة على محض التّوحيد» (^١).
قال عمر بن الخطّاب -﵁-: «ألّا تشرك باللّه شيئًا، ولا تروغ روغان الثّعالب» (^٢).
قال ابن عبّاس -﵄- في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]: «استقاموا على أداء الفرائض»، وقال أيضًا: «أخلصوا له الدّين والعمل»، وقال أيضًا: «استقاموا على طاعة الله» (^٣).
أمر الله تعالى عباده بالاستقامة، وبين لهم عواقبها الحميدة، فقال جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
قال الإمام ابن كثير -﵀-: «يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ١٠)، وبصائر ذوي التمييز (٤/ ٣١٢).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١٠٩).
(٣) جامع العلوم والحكم (١٩٢).
[ ١٨٧ ]
اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]: أي: أخلصوا العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم» (^١).
وقال الإمام الطبري -﵀-: «يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠] وحده لا شريك له، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى (^٢)، ولعظم شأنها يأمر الله بها نبيه -ﷺ-، يقول تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]».
قال الإمام ابن كثير -﵀-: «يأمر تعالى رسوله -ﷺ- وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء» (^٣).
- وعن سفيان بن عبد الله الثقفي -﵁- قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: «قل آمنت بالله، ثم استقم» (^٤).
ويقول ابن القيِّم -﵀-:
«فالاستقامة كلمة جامعة، آخِذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدَي الله
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٢٠/ ٤) (ص ١٢٠).
(٢) تفسير الطبري (جـ ٢١) (ص ٤٦٣).
(٣) تفسير ابن كثير (جـ ٢) (ص ٥٦١).
(٤) صحيح مسلم (١/ ٢٢)، ومسند أحمد (٣/ ٤١٣).
[ ١٨٨ ]
على حقيقة الصِّدْق والوفاء» (^١).
ويقول -﵀- أيضًا: «سمعتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية -قدس الله روحه- يقول: أعظمُ الكرامة لزوم الاستِقامة» (^٢).
ويقول الحافظ ابن رجب الحنبلي -﵀-: «أصل الاستِقامة استقامة القلْب على التَّوحيد .. فمتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبَّته وإرادته، ورجائه ودعائه والتوكُّل عليه والإعراض عمَّا سواه - استقامت الجوارح كلّها على طاعته، فإنَّ القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده؛ فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه، وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح: اللِّسان؛ فإنَّه ترجمان القلب والمعبِّر عنه» (^٣).
وإن مجاهدة المربي القدوة نفسَهُ في إصلاحها وسياستها وتقويمها وحملها على الاستقامة والسير بها على الصراط المستقيم، وأطرها على الحق أطرًا، وإلزامها أمر الله، له أبلغ الأثر وداعي التأسي به واتخاذه قدوة صالحة.