المدرسة من أهم المؤسسات التربوية والاجتماعية التي أنشأها المجتمع للعناية بالتنشئة الاجتماعية لأبنائه، وتربيتهم، وتهيئتهم، وإعدادهم للحياة، وهي مؤسسة منظمة لها قواعد ومنطلقات تربوية وتكمل تربية النشء إلى جانب التربية في المنزل، وهذه المدارس تختلف في قوتها وضعفها باختلاف أنظمتها والطاقم التربوي الذي يتولى إدارة دفة العمل، وتؤثر في المدرسة البيئة المحيطة بها. من الطلاب الذين يشكلون تلك البيئة.
والواجب على المربي داخل الأسرة أن يختار لأبنائه المدرسة الطيبة ذات السمعة الطيبة الحسنة والتي تُعنى بالتربية الرشيدة، وتعنى باختيار المعلم القوي الأمين الصالح في نفسه المصلح لغيره، وتختار الثقات من المربين والإداريين ومن يقومون على أداء هذه الرسالة السامية، فإن انتقاء المدرسة والمدرس والمتابعة للولد في المدارس هي أمور في غاية الأهمية لما يترتب عليها من مصالح عظيمة ومنافع جليلة تعود على الأبناء وعلى أسرهم ومجتمعاتهم وأمتهم نفعها وثمارها. والمسلمون الأوائل كانوا يوصون مؤدبي أبنائهم بالعناية بهم، ويبذلون في ذلك كل غالٍ ونفيس لأجل تأديب أبنائهم، وكانت سنَّة المؤدبين في المجتمع الإسلامي الماضي سنة قائمة، وخصوصًا عند ذوي اليسار، يتخذون المؤدبين لأبنائهم.
[ ٩٤ ]
ولعل من أبرز وأهم وظائف المدرسة ما يلي:
* أنها تعمل على تبسيط ونقل التُراث المعرفي والثقافي ونحو ذلك من جيل الكبار إلى جيل الصغار، أو من المعلمين إلى الطلاب تبعًا لما يتناسب واستعداداتهم وقدراتهم المختلفة؛ فينتج عن ذلك جيلٌ متعلمٌ ومُثقف.
* أنها تعمل على استكمال ما كان قد بدئ فيه من تربيةٍ منزلية للفرد، ثم تتولى تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعديل السلوك الخاطئ، إضافةً إلى قيامها بمهمة التنسيق والتنظيم بين مختلف المؤسسات الاجتماعية ذات الأثر التربوي في حياة الفرد فلا يحدث نوع من التضارب أو التصادم أو العشوائية.
* أنها تقوم بدورٍ كبيرٍ في عصرنا الحاضر حينما تكون في معظم الأحيان بديلًا للأُسرة، إذ يتشرب الصغار فيها عادات مجتمعهم الذي يعيشون فيه وقيمه وأخلاقه وسلوكياته.
* أنها بمثابة مركز الإشعاع المعرفي في البيئة التي توجد فيها؛ إذ إنها تُقدم للمجتمع كله خدماتٍ كثيرة ومنافع عديدة من خلال نشر الوعي الصحيح بمختلف القضايا، وكيفية التعامل السليم مع من حول الإنسان وما حوله.
* أنها تعمل على إشاعة الوعي الإيجابي عند أبناء المجتمع تجاه مختلف القضايا الفردية أو الجماعية سواءً كان ذلك بطريقٍ مُباشرٍ أم غير مُباشر.
وتعتبر المدرسة أداة مكملة للأسرة، لذلك لا بد من إقامة تعاون بين الأسرة والمدرسة، ومعرفة ما يمكن معرفته من الظروف التي يربى فيها الناشئة في منازلهم، وأساليب تربيتهم لتصحيح الخاطئ منها، وإكمال الصالح، والتعاون مع أولياء الأمور على إصلاح الناشئة وحسن تربيتهم ليكمل كل من المنزل والمدرسة ما
[ ٩٥ ]
بدأ به الآخر، ومن أجل أن لا يحدث تعارض وتناقض بين أسلوب الأسرة التربوي، وأسلوب المدرسة، فيصبح الأطفال والناشئة ضحية هذا التعارض.
- فالمطلوب من المدرسة إذن: أن تكون أداة تأهيل وتكييف اجتماعي، لا أداة اضطراب وإخلال بالتوازن بين الفرد والجماعة، على أن تصاغ جميع العلوم على أسس إسلامية، ويصاغ منهج تربوي إسلامي متكامل لتربية الأجيال على أساسه.
وكذلك إعادة تصنيف وتأليف مناهج وكتب لسائر المعارف والعلوم من منطلق إسلامي، والقيام بدورات تربوية إسلامية تدرِّب المعلمين والمربين على تحقيق هذا المنطلق من جميع جوانب التربية والتعليم.
والمدرسة عندما تقدم العقيدة الصحيحة والعلم النافع إلى الناشئين، تَعمِد إلى تصفية الحقائق، وتنقيتها من كل الشوائب والأخطاء، والمبالغات والأكاذيب؛ لتبقى عقيدة الناشئة سليمةً، وعقولهم قويمة، ومعارفهم صحيحة (^١).
ولكي تصبح عملية التربية والتعليم في المدرسة عملية متكاملة مستمرة، تنصهر في برامج روافد التربية (الأسرة والمسجد والإعلام)، فتؤدي دورها التربوي والتعليمي بحيث تصبح وحدة مترابطة مع تلك الروافد مجتمعة، فلا بدَّ أن نعي أن المدرسة مجتمع مصغر يجب أن تتوفر فيه جميع عناصر الاتصال البشري والعلاقات الإنسانية، وهي صورة مصغرة للحياة الاجتماعية الراقية.
ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:
١ - أنه ينبغي أن تكون المدرسة بحق مجتمعًا إسلاميًّا مشبعًا بالعواطف
_________________
(١) أبو عراد -مرجع سابق- بتصرف (د-ص).
[ ٩٦ ]
والتراحم والتعاون على البر والتقوى والتلاحم والتفاهم بين الرئيس والمرؤوسين، في ظل العلاقات الأخوية والاحترام المتبادل والتواصي بالحق والصبر، لأن المردود الإيجابي لهذا العمل مردوده يعود على الجميع ولا سيما الطلاب الذين هم أهم محور من محاور العملية التربوية والتعليمية.
٢ - وأن يجد الطالب في المدرسة المثل الأخلاقية الراقية، والمثل الإيمانية العليا، في كل ما يقع عليه سمعه وبصره وفي كل من يتلقى منهم ويتعامل معهم.
٣ - وأن تكون المدرسة مجتمعًا إسلاميًّا قويًّا متماسكًا متحد الهدف والفكر، أساسه الحق والعدل والتراحم.
٤ - وأن تضع المدرسة أهدافها بغية السعي في الوصول إليها، لإعداد جيل مسلم صالح في نفسه مصلح لغيره وقوي وفعال.
٥ - وأن تربي المدرسة الناشئة تربية إسلامية صحيحة، وعقلية ناضجة، وتنمية بدنية قوية، واجتماعية منسجمة مع روح المجتمع المسلم ومتطلباته وتطلعاته.
٦ - وأن تربي المدرسة تلاميذها تربية إسلامية استقلالية فيها روح الاعتماد على النفس، حتى لا يصبحوا عالة على مجتمعاتهم في كل ما يعوزهم من حاجات، ويعملوا لخير إخوانهم كما يعملون لخير أنفسهم، ويقبلوا من تلقاء أنفسهم على البذل والعطاء حتى تتأصل فيهم روح التكافل والعمل الاجتماعي بروح الجسد الواحد، عملًا بقول رسول الله -ﷺ-: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه» (^١).
_________________
(١) البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، والترمذي (٢٥١٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٦٧)، من حديث أنس بن مالك -﵁-.
[ ٩٧ ]
٧ - وأن تحدد المدرسة أهداف التربية والتعليم للمعلم قبل المتعلم، وتعليم الطلاب الحياة الاجتماعية السليمة، بحيث يخرجون إلى المجتمع وهم مزودون ومدعمون بكافة المؤهلات التي تجعل الطالب فردًا مسلمًا صالحًا قادرًا على مواجهة الصعاب بثقة كبيرة، وتصبح شخصيته شخصية مسلمة متكاملة الأركان، تامة البنيان، قوية الإيمان، متزنة الوجدان، بعيدة كل البعد عن الجنوح والخور والضعف، مصونة عن الانحراف بكل صوره وأشكاله وأنماطه.
التعاون بين الأسرة والمدرسة:
وهناك العديد من المسوغات (الحوافز) لضرورة التعاون بين الأسرة والمدرسة في مجال تربية الناشئة نذكر منها ما يلي:
أولًا- أن التعاون بينهما يحقق الفهم المتبادل لدور كل منهما في مجال تربية الناشئة، مما يؤدي إلى زيادة التنسيق وعدم التعارض بينهما، إذ كثيرًا ما يؤدي التعارض والتناقض في أدوارهما إلى تكوين صراع نفسي لدى التلميذ.
ثانيًا- أن التعاون بينهما يؤدي إلى التخلص من غالبية المشكلات التي قد يواجهها الطلاب الناشئة وإلى التكيف مع المجتمع والمدرسة.
ثالثًا- أن التعاون بينهما يؤدي إلى الراحة النفسية للناشئة وزيادة تحصيلهم الدراسي، وإقبالهم على العلم، وإلى زيادة حبهم للمدرسة وانتمائهم إليها.
رابعًا- أن التعاون بينهما يجعل خطة العمل التربوي مشتركة بينهما في ضوء اعتماد أهداف مشتركة توجه العملية التربوية فيهما.
[ ٩٨ ]