قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] نقل البغوي في تفسيره عن الكلبي أنه قال: ﴿وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: «يعني: أهل دين وسط، بين الغلو والتقصير، لأنهما مذمومان في الدين» (^٢)، وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «والوسط ها هنا الخيار والأجود» (^٣).
فكذلك (القدوة) مقتصد في كل شؤون معاشه ومعاده، مهتديًا بهُدَى الإسلام،
_________________
(١) مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٢/ ٣٠١).
(٢) تفسير البغوي (١/ ١٢٢).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٨١) بتصرف. مسلم المحمادي (ديسمبر ٢٠١٣)، التربية بالقدوة الحسنة- بتصرف.
[ ٢٠١ ]
متبعًا ومقتفيًا لأثر سيد الأنام ﵊، متبعًا لهديه في العبادات والمعاملات، ومتأسيًّا به في كل الحالات، ويظهر ذلك في علاقاته الاجتماعية وآدابه الشرعية، في مظهره ومخبره، في مطعمه ومشربه وملبسه، وفي جميع سمته وهديه ودله، فهو معتدل لا يأتي بالغرائب ولا بالمتناقضات، فهو معتدل في شؤونه كلها، فتراه عدلًا خيارًا في العبادات والعادات والمعاملات، فلا تؤخذ عليه الهنات ولا الزلات.
ولا شك أن هذا الاعتدال مصدر تأثير يجعل القدوة محل تقدير وإجلال وإكبار ويأخذ بالقلوب إليه، وتتأسى به الأنام.
ويُستَخلص من هذا المبحث المهم أن التربية بالقدوة من أعظم وأَجَلِّ أساليب التربية.
وأن من أَجَلِّ آثارها وأظهرها ما يلي:
* انشراح الصدر وطمأنينة النفس: فالاقتداء بالصالحين سبب من أهم أسباب يقظة القلب وانتباهه من غفلته، ويتأتى ذلك من خلال التأثر بما يراه من سلوك حميد وصفات وعبادات ومعاملات وأحوال، وهذا ولا شك يدفع المتأسي على الإقبال على العمل الصالح بانشراح صدر وطمأنينة نفس.
* القناعة الذاتية لما يدعو إليه القدوة: إن محبة القدوة الحسنة في قلوب الناس وارتياحهم له وثقتهم فيه له أبلغ الأثر في غرس القناعة الذاتية في نفوسهم وقبول ما يدعو إليه، وتلك القناعة إنما هي ناشئة عن أمرين جليلين: هما الثقة والمحبة.
* ترغب المدعوين في الإقبال على الطاعة: إن حرص المدعوين على التأسي
[ ٢٠٢ ]
بالقدوة الحسنة له أبلغ الدوافع في إقبالهم على الباقيات الصالحات والحرص على طاعة رب البريات والنفور من سائر المعاصي والموبقات.
* تربي في المدعوين مكارم الأخلاق: إن ما يتمثله القدوة الحسنة من مكارم الأخلاق، له أبلغ الأثر في التربية على محاسن تلك الأخلاق والتأسي بها بدافع التقليد والتأثر اللا إرادي.
* تحقق القدوة أعظم مطلوب وأفضل مرغوب:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧] (^١).
وفي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لفضل التأسي بالنبي -ﷺ- وعظم شأنه واتباع سنته.