تعريف الإخلاص:
- قال ابن القيم -﵀-: «فإن الْإِخْلاصَ هو تَجْرِيدُ الْقَصْدِ طَاعَةً لِلْمَعْبُودِ» (^١).
- قال الشنقيطي: «إفراد المعبود بالقصد في كل ما أمر بالتقرب به إليه» (^٢).
يا مبتغي الحمد والثواب … في عملٍ تبتغي محالا
قد خيب الله ذا رياء … وأبطل السعي والكلالا
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم (٢/ ١٨٢)، دار النشر: دار الجيل، بيروت (١٩٧٣ هـ)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد.
(٢) أضواء البيان (٦/ ٣٥٢).
[ ١٨٢ ]
من كان يرجو لقاء ربه … أخلص من أجله الفعالا
الخلد والنار في يديه … فرائه يعطك النوالا (^١).
يقول أبو محمد سهل بن عبد الله التستري (^٢): «نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركاته وسكناته في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء لا هوى ولا نفس، ولا دنيا» (^٣).
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «مخلصين له الدين، أي: مخلصين له العبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره» (^٤).
_________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير، عبد الرؤوف المناوي (٤/ ٤٨٣)، المكتبة التجارية الكبرى، مصر.
(٢) سهل التُّسْتَرِي (٢٠٠ - ٢٨٣ هـ، ٨١٥ - ٨٩٦ م) هو: أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع التُستري، ولد في تُسْتُر قرب شيراز في بلاد خوزستان. كان أحد أئمة الصوفية في عصره. له أقوال في تفسير بعض الآيات جمعها أبو بكر محمد البلدي في كتاب ونسبها إليه وعرف هذا الكتاب بتفسير التستري. توفي في البصرة. الموسوعة العربية العالمية.
(٣) المجموع شرح المهذب (١/ ١٧).
(٤) تفسيرالقرطبي (٢٠/ ١٤٤).
[ ١٨٣ ]
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].
- قال الفضيل بن عياض: «هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (^١)، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]».
يقول النبي -ﷺ- لسعد بن أبي وقاص -﵁-: «إنك لن تُخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلَّا ازددت به درجة ورفعة» (^٢).
يقول ابن القيِّم -﵀-: «لو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم الله المنافقين» (^٣).
ويقول ابن الجوزي: «فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في إصلاح السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر» (^٤).
ومن أَجَلِّ علامات الإخلاص:
١ - أن يستوي المدح والذم عند العبد.
٢ - وأن يقصد بعمله وجه الله والدار الآخرة.
قال الإمام ابن القيم -﵀-: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح، والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت،
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٩٣).
(٢) رواه مسلم (٢/ ١٢٥٠ ح ١٦٢٨).
(٣) ابن القيم، الفوائد (ص ٦٥).
(٤) صيد الخاطر (ص ٢٨٧).
[ ١٨٤ ]
فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص» (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فإن المخلص ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره؛ إذ ليس عند القلب أحلى ولا أنعم من حلاوة الإيمان بالله رب العالمين» (^٢).
ويقول ابن رجب -﵀-: «ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق» (^٣).
ويقول ابن القيم -﵀-: «أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبعٌ ومكملة، وإن النية بمنزلة الرُّوح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح» (^٤).
وكلما كان العمل لوجه خالصًا لله، بعيدًا عن حظوظ النفس ومشتهياتها، كان صاحبه للتوفيق أقرب وللقبول أحرى، فعلى قدر إخلاص المربي (القدوة) في أداء رسالته ومهمته التربوية، يكون التأثر والتأسي به أدعى في نفوس الناشئة وأقوى والاستجابة له أبلغ وأسرع.
ويقول ابن القيِّم -﵀-: «وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون
_________________
(١) موارد الظمآن (١/ ١١٢).
(٢) ابن تيمية الفتاوى (١٠/ ٢١٥).
(٣) ابن رجب كلمة الإخلاص (ص ٣١).
(٤) بدائع الفوائد (٣/ ٢٢٤).
[ ١٨٥ ]
توفيق الله له وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم» (^١).
وقال الرَّبيع بن خُثَيم (^٢): «كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل» (^٣).