يُعدُّ المسجد أبرز وأهم المؤسسات الاجتماعية التربوية التي ارتبطت بالتربية الإسلامية ارتباطًا وثيقًا منذ صدر الإسلام نظرًا لعددٍ من العوامل التي أدت في مجموعها إلى ذلك الارتباط والتلازم؛ لا سيما وأن المسجد لم يكن في المجتمع المسلم الأول مجرد مكان لأداء العبادات المختلفة فحسب؛ بل كان أشمل من ذلك، فالمسجد يتميز بأنه بيت من بيوت الله -﷾-، وقد أضاف الله -﷿- المساجد إليه سبحانه إضافة تشريف وتكريم، وفي ذلك إشارة إلى أهميتها ومكانتها، وأهمية دورها التربوي في ضوء منهج الله، وفي التعرف على الله -﷿- وفي الحثّ على السير إلى رضوانه -﷾- وسلوك طريقه -جل وعلا- فالله -﷾- يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].
وللمسجد دور كبير في جميع مجالات الحياة في العبادة، والعلم، والدعوة، والأخلاق، والمعاملات، والفتوى، والسلم، والحرب، واستقبال الوفود، وإعلان السياسة العامة للدولة.
فقد كانت رسالة المسجد مهمة وخالدة، وسامية، لأنها رسالة الإسلام، فقد اقترن بناء الدولة الإسلامية ببناء المسجد، لأنه يتمتع بمكانة رفيعة في نفوس المسلمين، لقد كان مسجد رسول الله في المدينة هو النواة الأولى والمركز الرئيس لإقامة الدولة الإسلامية، فقد جعل رسول الله -ﷺ- بناءه وتأسيسه إيذانًا
[ ٧٩ ]
بإقامة دولة إسلامية انطلاقها من أشرف البقاع وأطهرها، فكان المسجد مدرسة وجامعة إسلامية، معلِّمه رسول الله -ﷺ-، وتلامذته أصحابه الكرام -﵃-، وكان المسلمون الأوائل إذا فتحوا مصرًا من الأمصار أسسوا فيه مسجدًا جامعًا تأسيًا برسولهم الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وإيذانًا وإعلانًا للدنيا بأن هذا البلد أصبح جزءًا من الدولة الإسلامية، وإعلانًا لسيادة دين الله -﷾- في الأرض.
وذلك بعكس المحتل الحديث والمعاصر الذين يرفع راية أو علمًا فوق عاصمة البلد الذي احتله دليلًا على نصره وسيادته، وسيادة الظالمين المتجبرين على المظلومين المستضعفين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وكانت مواضع الأئمة، ومجامع الأمة، هي المساجد، فإن النبي -ﷺ- أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر وتعليم العلم والخطب، وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم» (^١).
والمسجد أحب البقاع إلى الله -﷾-، فهو قلعة الإيمان، وحصن الفضيلة، وهو المدرسة التي يتعلم ويتربى فيها الناشئة، فيتخرج منهم العلماء والخلفاء والأمراء والفقهاء والقادة والمصلحون والأعلام في كل ميدان.
_________________
(١) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٩/ ١٩٦)، وتذكرة الحفاظ، الإمام الذهبي، تحقيق العلامة المعلمي، نشر دائرة المعارف العثمانية (٤/ ١٤٩٦ - ١٤٩٨)، وذيل العبر، الإمام الذهبي، نشر دار الكتب العلمية -بيروت- (١٤٠٥ هـ) (ص ٨٤)، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة: الثالثة (١٩٩٠ م) (ص ٢٢).
[ ٨٠ ]
لقد كان المسجد في عهد رسول الله -ﷺ- جامعًا لأداء العبادات ومقرًّا للدولة، وجامعةً للتعليم ومعهدًا لطلب العلم ونشر الدعوة في المجتمع ومركزًا للتربية ومركزًا للقضاء والفتوى، ودارًا للشورى وتبادل الآراء، ومنبرًا إعلاميًّا لإذاعة الأخبار وتبليغها، ومنزلًا للضيافة وإيواء الغرباء، ومكانًا لعقد الألوية وانطلاق الجيوش للجهاد في سبيل الله تعالى، ومنتدى للثقافة ونشر الوعي بين الناس، ومكانًا لاستقبال الوفود التي قصدت المدينة لمبايعة الرسول الكريم -ﷺ- والدخول في دين الله أفواجًا معلنة الإذعان والانقياد والاستسلام لله ﵎.
إلى غير ذلك من الوظائف الاجتماعية المختلفة.
وللمسجد أثر عظيم في بناء المجتمع الإسلامي وتوجيهه إلى ما فيه خير وسعادة أفراده في أمور الدين والدنيا، فقد أدى المسجد في الإسلام دورًا عظيمًا في التوجيه والإرشاد والدعوة وإصلاح البشر وتربيتهم، وتقوية الشعور الديني والحفاظ على الوحدة الإسلامية حقيقة ومظهرًا، والأمة المسلمة مؤهلة اليوم وفي كل يوم إذا ما عرفت كيف تعيد إلى هذا المنطلق قوته وتأثيره في قيادة وريادة البشرية قاطبة.
إن الوظيفة الحقيقية للمسجد في الإسلام، هي إعداد المسلم المتكامل البناء في خلقه وسلوكه وعمله وعبادته، في علاقته بربه وبنفسه وبأخيه المسلم وبالناس جميعًا، ووظيفة المسجد في صورتها الاجتماعية الشاملة هي أن يكون مركز إشعاع وتوجيه وتربية للناشئة خاصة ولجماعة المسلمين عامة، فالمسجد يكمل بناء المجتمع ويدعمه ويقوي أركانه ويعمق في نفوس الناشئة الإحساس
[ ٨١ ]
بالفضائل التي غرستها الأسرة والمدرسة؛ بل يغذيها وينميها ويتعاون معهما في بناء المجتمع الراشد المتجه نحو الصلاح والفلاح بهداية من الله -﷾-، وبالتردد على المساجد يتعلم النشء النظام والدقة والنظافة والاستواء، وينمو شعور التآلف بينهم وبين أقرانهم، فتتكون العلاقات الاجتماعية الطيبة ويشبون عليها فتتحقق لهم معاني الأخوة الإيمانية الممتزجة بالحب المفعم في ذات الله.
هكذا نظر المسلمون الأولون إلى المسجد على أنه مدرسة تحمل كل هذه المعاني، فأقاموا صلتهم به على أساسها، فكان له من الأثر في تكوينهم ما لم يعرف التاريخ له مثيلًا في أيّ عمل تربوي بنَّاءٍ، حتى أصبح المسجد بحق المدرسة التي يتعلم فيها المسلم من المهد إلى اللحد كل ما يعوزه من مبادئ الحياة، فمن واجب المسلمين أن يعيدوا إلى المسجد وظيفته ومهابته وحيويته حتى يصبح مصدر إشعاع يرشد فيعلِّم، ويهدي فيقوِّم؛ لأن المسجد مؤسسة ذات مركز عظيم، وله دور كبير وفعَّال في تربية وتوجيه وتعليم الناشئة، فالمسجد يُعدُّ أبرز وأهم المؤسسات الاجتماعية التربوية التي ارتبطت بالتربية الإسلامية ارتباطًا وثيقًا نظرًا لعددٍ من العوامل التي أدت في مجموعها إلى ذلك الارتباط والتلازم؛ لا سيما وأن المسجد لم يكن في المجتمع المسلم الأول مجرد مكان لأداء العبادات المختلفة فحسب؛ بل كان أشمل من ذلك، وبذلك يمكن القول بأن المسجد في الإسلام يُعد جامعًا وجامعةً، ومركزًا لنشر الوعي في المجتمع، ومكانًا لاجتماع المسلمين، ولم شملهم، وتوحيد صفهم، وهو بحق أفضل مكانٍ، وأطهر بقعةٍ، وأقدس محلٍّ يمكن أن تتم فيه تربية الإنسان المسلم وتنشئته، ليكون بإذن الله تعالى فردًا صالحًا في مجتمعٍ صالحٍ.
[ ٨٢ ]
ولعل من أهم ما يُميز رسالة المسجد التربوية في المجتمع المسلم أنه يُعطي التربية الإسلامية هويةً مميزةً لها عن غيرها، وأنه مكانٌ للتعليم والتوعية الشاملة، التي يُفيد منها جميع أفراد المجتمع على اختلاف مستوياتهم، وأعمارهم، وثقافاتهم، وأجناسهم؛ إضافةً إلى فضل التعلم في المسجد، وما يترتب على ذلك من عظيم الأجر وجزيل الثواب.
* ثبت عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» (^١).
وللمسجد أثر كبير على النشء وخاصة إذا تعودوا منذ صغرهم على ارتياد المساجد بصحبة آبائهم، فالمسجد محضن تربوي ذو أثر عظيم يحافظ على الفطرة وينمي الموهبة ويربط النشء بربه من أول ظهور الإدراك وعلامات التمييز، ويطبع فيه المثل والقيم والصلاح بتأثير من الصالحين والأخيار ورواد المساجد من خلال المشاهدة والقدوة.
كما يقوم المسجد بتدريب الناشئ على النظام ويعلمه كيف يتعامل مع الآخرين من خلال المشاركة الاجتماعية والاختلاط بفئات المجتمع، فينشأ على الأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية والشجاعة، لأنه يختلط بالكبار ولا يهابهم ويتعلم الاطمئنان النفسي ويتربى على النظام من خلال الصفوف المتراصة للصلاة، فيكون انطباعًا في نفسه على حبّ الترتيب والنظام، ويشهد
_________________
(١) مسلم (٢٦٩٩)، وابن ماجه (٢٢٥/ ١)، وينظر: مقدمة في التربية الإسلامية. أبو عرَّاد-مرجع سابق، بتصرف يسيرٍ.
[ ٨٣ ]
طاعة المأموم لإمامه، ويرى احترام الصغير للكبير، فتكبر هذه المفاهيم وتشب معه، وكانت صلة الأطفال الصغار بالمسجد في عهد رسول الله -ﷺ-. صلة قوية وثيقة نماها رسول الله -ﷺ-. ونماها الخلفاء الراشدون من بعده وأصحابه من خلال أفعالهم وتوجيهاتهم -﵃- أجمعين. وعندما يأخذ المسجد مكانه الملائم الذي بُنِيَ من أجله وأراده الله له، يصبح من أعظم المؤثرات التربوية في تربية الأطفال والناشئين وتكوينهم، حيث يرون الراشدين مجتمعين على طاعة الله وعبادته، فينمو في نفوسهم الشعور بالمجتمع المسلم والاعتزاز بالجماعة المسلمة، وفيه يسمعون الخطب والدروس العلمية فيبدأون بوعي العقيدة الإسلامية، وفهم هدفهم من الحياة وما أعدهم الله له في الدنيا والآخرة، وفيه يتعلمون القرآن ويرتلونه فيجمعون بين النمو العقلي والفكري بتعلم القرآن الكريم والنمو الروحي والارتباط بخالقهم، وفيه يتعلمون الحديث والفقه وكل ما يحتاجونه من نظم الحياة الاجتماعية، كما أراد الله أن ينظمها للإنسان. فالمسجد يعلم الناشئين أن كل أمور الحياة تابعة للارتباط بالله وإخلاص العبودية له -﷾- وينغرس هذا المعنى في نفوسهم عفوًا من غير قصد ولا تكلف، وفي الصلاة تتجسد كثير من مزايا الأخلاق التي تصوغ شخصية المسلم السوية، ومن ذلك قيمة العزة التي تجسد أسمى معاني الأخلاق، وكذلك صفة الرحمة، وهي الصفة التي اختارها الله لعباده دون سائر صفاته في فاتحة الكتاب (الرحمن الرحيم)، فيبتعد النشء عن الرياء والسمعة والكذب وتناقض الفعل والقول، وقد بقي تعلم القرآن الكريم في الكتاتيب والمساجد إلى عهد قريب هو الوسيلة لتعلم القراءة والكتابة في كثير من البلاد الإسلامية، فكان الناشئة قبل
[ ٨٤ ]
انتشار المدارس الحديثة يتقنون قراءة القرآن الكريم، فيتعلمون القراءة من خلال تعرفهم إلى صور الكلمات المكتوبة مقترنة بألفاظها المنطوقة، وكانوا بعد هذه القراءة الأولى، يكتبون القسم الذي قرأوه على ألواح خشبية يحاكون رسمه في المصحف وكلما كتبوا جزءًا يناسب مقدرتهم عادوا فأتقنوا تلاوته وحفظه ثم ينتقلون إلى غيره وهكذا حتى يتموا حفظ جميع القرآن الكريم عن ظهر قلب، فالمسجد يؤدي وظيفتي العبادة والتربية دون تمييز واضح بينهما.
ومما يذكر أنه ضاقت المساجد بالصبيان، حتى اضطر الضحاك بن مزاحم معلمهم ومؤدبهم أن يطوف عليهم بدابته ليشرف عليهم وقد بلغ عددهم ثلاثة آلاف صبي وكان لا يأخذ أجرًا على عمله.
إن تردد الناشئ على المساجد منذ نعومة أظفاره يجعله ينمو نموًّا لا مشاكل فيه ولا تعقيد أمامه ولا اضطراب في نفسه ويثبت قلبه على الإيمان لأن مرحلة التربية في الصغر من أخطر المراحل في حياته، وعند بلوغه يكون قد حُصن فؤادُهُ وثبت يقينُهُ فلا قلق ولا اختلال ولا أوهام لأنه في المسجد يجد المناخ الطيب والجو الديني والمجتمع الطاهر، فتتأصل في نفسه أمور العبادة وآداب التعامل وشدة المراقبة لله فيكون عضوًا سليمًا في مجتمعه وتصدق فيه بشارة النبي -ﷺ- فيما رواه عنه أبو هريرة -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله -﷿-، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» فذكر منهم: «شاب
[ ٨٥ ]
نشأ في عبادة الله» (^١).
إن خير القلوب وأوعاها للخير ما لم يسبق الشر إليه، وأولى ما عني به الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أبناء المؤمنين لكي يرسخ فيها، وقد حرص الإسلام على رعاية الناشئة رعاية منقطعة النظير، إيمانًا بأنهم رجال المستقبل وعدة الغد، فلا يجوز تركهم مشردين في الطرقات محرومين من نعمة المسجد الذي هو بيت الله، ومأوى المؤمن ومدرسته العملية، والناشئ إذا شبّ على شيء شاب عليه، ولقد كان الناشئة يأتون المسجد في عهد رسول الله -ﷺ- يرعى شئونهم ويتلطف بهم، ولم يمنعهم من المساجد حتى إنه -ﷺ- نزل من فوق المنبر في أثناء الخطبة لما رأى الحسن والحسين -﵄- وقبلهما، ثم عاد إلى خطبته، وحمل أمامة بنت ابنته زينب كذلك في المسجد.
وحديث أبي بكرة (^٢) المشهور -﵁- الذي جاء فيه: أن رسول الله -ﷺ- كان
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد رقم (٦٢٩) (١/ ٢٣٤)، وفي كتاب الزكاة: باب الصدقة باليمين (رقم: ١٣٥٧) (٢/ ٥١٧)، وفي كتاب الزكاة: باب الصدقة باليمين (رقم: ١٣٥٧) (٢/ ٥١٧)، وفي كتاب الرقاق: باب البكاء من خشية الله (رقم: ٦١١٤) (٥/ ٢٣٧٧)، وفي كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة: باب فضل من ترك الفواحش (رقم: ٦٤٢١) (٦/ ٢٤٩٦)، ومسلم في كتاب الزكاة: باب فضل إخفاء الصدقة (رقم: ١٠٣١) (٢/ ٧١٥).
(٢) هو نُفَيْع بنُ الحارث، وقيل: نُفَيْعُ بن مَسرُوح، أبو بكرة الثقفي الطائفي، مولى النبي -ﷺ- تدلى في حصار الطائف ببكرة، وفرَّ إلى النبي -ﷺ-، وأسلم على يده، وأعلمه أنه عبد، فأعتقه، وقد كُنِّيَ بأبي بكرة؛ لأنه تدلى من الحصن ببكرة فمن يومئذ كني بأبي بكرة. = =وفاته: قال ابن سعد: مات أبو بكرة في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالبصرة، فقيل: مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: مات سنة اثنتين وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي الصحابي. السير (٣/ ٥). وأسد الغابة (٥/ ٣٨ و١٥١)، والبداية والنهاية (٨/ ٥٧)، وشذرات الذهب (١/ ٥٨).
[ ٨٦ ]
يصلي ويجيء الحسن بن علي -﵄- وهو صغير فكلما سجد النبي -ﷺ- وثب على ظهره، ويرفع النبي ﵊ رأسه رفعًا رفيقًا حتى يضعه على الأرض (^١).
ومن هنا فالواجب أن نستعين بكل وسيلة متاحة ومباحة شرعًا من شأنها أن تشوق الناشئ إلى المسجد وتحببه إليه، ونحذر من كل أسلوب من أساليب التنفير من المسجد.
ومما يتأكد شرعًا في حق الجهات المعنية في بلاد الإسلام: أن تولي هذا الجانب العظيم العناية والأهمية الكبرى من إعداد الكفاءات العلمية والتربوية التي تقوم علي هذا الجانب العظيم والخطير في حياة المجتمع المسلم والأمة الإسلامية قاطبة، والتي تقوم بإعداد دراسات ودورات تربوية علمية وعملية لتقوم على ربط الناشئة ببيوت الله، وتضع خطط تنفيذية وتطبيقية لهذه الدراسات وتكون شاملة لجميع المراحل العمرية للناشئة من قِبَلِ المختصين، وتضع كذلك حلولًا عملية للصعوبات والتحديات والمشكلات والمعضلات
_________________
(١) صحيح ابن حبان (٦٩٦٤)، من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي -﵁-، والألباني، النصيحة، (١٢٥) يرتقي إلى مرتبة الصحة بالشاهد من حديث أبي هريرة -﵁-، والألباني، السلسلة الصحيحة (٣٣٢٥) إسناده حسن من حديث أبي هريرة -﵁-، والوادعي، صحيح دلائل النبوة، (٣٣٤) حسن من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٨٧ ]
والعراقيل التي تواجه هذه الرسالة النبيلة السامية والغاية الغالية النفيسة والمهمة الجليلة الجسيمة، وتوضع في خطة كل دولة مسلمة ميزانية مالية ضخمة تليق بهذه المهمة التربوية العظيمة، وتحفز القائمين على هذا العمل الجلل تحفيزًا يليق بمكانة المسجد في الإسلام ومهمته ولا سيما فيما يتعلق بشأن الناشئة، فهم رجال الغد وأمل الأمة المنشود، وكذلك تحفيز الناشئة أنفسهم بالتشجيع المستمر والعطاء الدائم ماديًّا ومعنويًّا.
فالدول مثلًا تحفز الطب والأطباء وكل ما من شأنه يتعلق بالطب، من إنشاء لكليات الطب بجمع فروعه وأقسامه، وتوفر له أمهر الأساتذة من الداخل والخارج بأعلى الرواتب والحوافز المادية والمعنوية وتوفر الأجهزة والمعامل والمختبرات وكل الإمكانات المادية والبشرية، ولا يلتحق بكليات الطب إلا أفضل الطلاب والحاصلين على أعلى الدرجات، وبمجرد تخرجه يحصل على مكانة اجتماعية مرموقة، من أعلى الرواتب والحوافز المادية والمعنوية، علاوة على ما يحصل عليه من لقب طبيب (دكتور)، وهذا كله لا نكارة فيه، وذلك لأن موضوع الطب هو جسم الإنسان وصحته، وهذا لا ينكره عاقل، مدى حاجة البشرية الضرورية لهذا الشأن العظيم، وشريعة الإسلام الغراء لم تغفل هذا الجانب؛ بل أولته عناية كبيرة لا تخفى على ذي لب، فهو يندرج تحت حفظ النفس التي أمرت الشريعة بحفظها، وتعلمه من فروض الكفايات، لكن هذا للأبدان الفانية، فماذا للقلوب والأرواح الغالية؟.
- من هنا يتبين لنا أهمية: ما يجب أن تُوليه الأمة المسلمة العناية الكبرى والأهمية العظمى من جانب العناية بالمساجد والعناية برأس مالها وأملها
[ ٨٨ ]
المنشود وهم الناشئة، والعناية بتربيتهم وربطهم ببيوت الله فيما يتعلق بجميع الجوانب، من جانب الشعائر التعبدية والتعليمية والتربوية، ومن كل ما من شأنه تعبيد الناشئة لخالقهم جل في علاه والرقي بهم في مدارج التربية الإيمانية العلمية والعملية، الأخلاقية والسلوكية، وتفتح عيونهم وقلوبهم وقد نشأوا وترعرعوا في بيوت الله التي وصفها ربنا بقول سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
وتنطلق تربية الناشئة من بيوت الله كما انطلق المسلمون الأوائل من بيوت الله فسادوا الدنيا وفتحوا البلاد، فذلوا الأكاسرة وخضعت لهم رقاب القياصرة وحرروا الإنسان من رقِّ الدنيا وعبوديتها ونقلوه من عبودية البشر إلى عبودية رب البشر، ومن الذل والقهر لغير الله، إلى عدل الإسلام ورحمته ووسطيته، كما قال ربعي بن عامر (^١) -﵁- لرستم: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا
_________________
(١) ربعي بن عامر بن خالد بن عمرو التميمي، كان من أشراف العرب، أدرك النبي -ﷺ-، شهد الفتوحات الإسلامية وأمد به عمر بن الخطاب المثنّى بن حارثة، له ذكر في غزوة نهاوند، وولَّاه الأحنف في بعض الفتوحات، وكانوا لا يؤمرون إلا الصحابة، وللاستزادة ينظر: البداية والنهاية، وتاريخ الطبري، والإصابة في معرفة الصحابة، وتاريخ دمشق.
[ ٨٩ ]
منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله» (^١).
_________________
(١) نقل هذا الأثر مسندًا عن سيف بن عمر-الإمام ابن جرير الطبري-. فقال في تاريخ الأمم والملوك (٢/ ٤٠١) -في كلامه عن السنة الرابعة عشرة من الهجرة: كتب إليَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وزياد بإسنادهم مثله، قالوا: وأرسل سعد إلى المغيرة بن شعبة، وبسر بن أبي رهم، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وربعي بن عامر، وقرفة بن زاهر التيمي ثم الواثلي، ومذعور بن عدي العجلي، والمضارب بن يزيد العجلي، ومعبد بن مرة العجلي وكان من دهاة العرب إلى آخر القصة الطويلة مع رستم … وهنا نحتاج للتنبيه إلى أمرين … الأمر الأول … قول الطبري: كتب إليَّ السري، عن شعيب، عن سيف … فهذا السند هو سند الطبري لمصنفات سيف بن عمر بالمكاتبة ويكرره كثيرًا في كتابه هذا. والسري صدوق وشعيب هو الراوي لكتب سيف بن عمر وفيه جهالة … لكن على كل حال هذا السند ما هو إلا زينة لرواية ابن جرير لمصنفات سيف بن عمر .. أي: أنه سند لكتاب فلا يضر الأمر الثاني: سيف بن عمر - وفيه مطلبان: المطلب الأول: إطلاق القول بعموم كذبه! ففيه مبالغة وتعنت، هو ضعيف الحديث فقط. ولم يتهمه بالوضع إلا ابن حبان، وأخذه عنه السيوطي. ورد عليه الحافظ ابن حجر فقال: أفحش ابن حبان القول فيه. وابن حبان التعنت ثابت عنه، وقد قال الذهبي عنه: أما ابن حبان فإنه خساف قصاب، فأقصى ما يكون حاله هو أنه متروك كما قال أبو حاتم الرازي، والدار قطني … المطلب الثاني: أنه متروك الحديث وإمام في الأخبار … - فإذا روى حديثًا بسنده عن النبي -ﷺ- لا يحتج به. - أما إذا روى أي شيء من باب الأخبار فهو عمدة في هذا الشأن. … = =فقد قال الحافظ ابن حجر عنه في التقريب: «عمدة في التاريخ». اهـ. وهذه العبارة لا تصدر إلا في حق كل مَن له شان عظيم في هذا الباب، وقال الذهبي في الميزان: «كان أخباريًّا عارفًا». اهـ. فأقول: لا بأس بقبول أخباره إن لم يكن بها نكارة أما الأحاديث فلا، والله الموفق. ذلك ليعود للأمة مجدها التليد وعزها المجيد، وتعود لها قيادتها للأمم وسيادتها للبشر.
[ ٩٠ ]
وإن لم يقم بهذا الواجب العظيم الجهات المعنية لأيِّ سببٍ من الأسباب فلا يترك هذا الجانب العظيم بالكلية أبدًا؛ بل يقوم به أهل الحسبة من جماعة المسجد وأهل الحي بالتعاون مع إمام المسجد وخطيبه ومؤذنه، وذلك عملًا بقوله -﷾-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وعملًا بقوله -ﷺ-: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^١)، والعمل بالإمكانات المتاحة والمباحة.
- وحتى تتحقق مصلحة تربية الناشئة وتكوينهم من خلال المساجد، لا بد من اتخاذ بعض الإجراءات من القائمين على المساجد، ومنها:
١ - أن يقوم إمام المسجد وخطيب الجامع ومؤذنه ومعهم جماعة المسجد وأهل الحي بالتعاون على هذا الأمر العظيم كما أسلفنا.
ويُقال ذلك سدًّا للذرائع وبيان من كل ما من شأنه أن يلامس الواقع، فلا تكون معالجة هذا الأمر العظيم بعيدة عن الواقع، فتكون معالجة شكلية نظرية غير عملية، وأقول ذلك تحدثًا بفضل الله عن تجارب عملية واقعية وملموسة وكثيرة (موفقة ومسددة) رأيناها وعايشناها في كثير من بلدان المسلمين، وعملًا بقاعدة: «ما لا يدرك كله لا يترك كله»، والفقهاء يعبرون عنها بقولهم: «الميسور لا يسقط بالمعسور»، وقد ذكرها بهذه الصيغة العز بن عبد السلام في قواعد
_________________
(١) البخاري من حديث أبي هريرة -﵁- (٧٢٨٨).
[ ٩١ ]
الأحكام، وابن السبكي في الأشباه والنظائر، والسيوطي في الأشباه والنظائر، والزركشي في المنثور، وصاغها الزركشي بلفظ آخر وهو: «البعض المقدور عليه هل يجب؟»، وصاغها القرافي بلفظ: «المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف»، وصاغها الجويني في الغياثي بلفظ: «المقدور عليه لا يسقط بسقوط المعجوز عنه»، وصاغها ابن رجب بقوله: «من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟» (^١).
٢ - أن يشجعوا الآباء لاصطحاب أبنائهم إلى المساجد وتعليمهم الطهارة والنظافة والنظام وأن يراقبوهم ويوجهوهم لما فيه صلاحهم.
٣ - أن يجد الناشئة والصغار من يرشدهم وينظم جلوسهم ويقيم لهم المناشط العلمية والدعوية والتربوية والتي تتفق وأعمارهم من تعلم القرآن الكريم والسنة المطهرة وحفظ المتون العلمية والمسابقات الثقافية، وتعلم الوضوء والصلاة وأحكامهما وغير ذلك مما هم في أَمَسِّ الحاجة إليه من مبادئ العقيدة والعبادات ومكارم الأخلاق.
٤ - أن يتحبب الكبار إلى الصغار وأبناء المسلمين المصلين بالتبسم والبشاشة ورحابة الصدر وأن يجذبوهم للمساجد ولا ينفروهم منها.
وإن الهدف من تربية الناشئة التربية الإسلامية الصحيحة ليس تزويدهم بالمعلومات والآداب الإسلامية فحسب؛ بل إِطْلَاعِهِمْ على المعنى الأعمق للحياة والعالم من حولهم، والأخذ بأيديهم إلى الطريق الذي يؤدي إلى تنمية
_________________
(١) وهذه القاعدة كتب فيها رسالة ماجستير كتبتها الباحثة إيمان عبد الله الهادي، وهي من منشورات دار الكيان (د-ت) لمن أراد الاستزادة.
[ ٩٢ ]
متكاملة لكافة جوانب الشخصية الإسلامية علمًا، ومساعدتهم على التصدي لمشكلات الحياة الشخصية والاجتماعية ليتأهلوا لحمل رسالة الإسلام الخالدة وتحمل تكاليف إبلاغ الحق للخلق ليقولوا للدنيا مقالة النبي -ﷺ-: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه (١/ ٥٢٠): هذا حديث صحيح، وصححه مقبل ابن هادي الوادعي- الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (٦٢٧٤)، الناشر: مكتبة دار القدس - صنعاء - الطبعة: الأولى - سنة الطبع: (١٤١١ هـ)، ورواه الإمام أحمد في مسند المكيين، حديث ربيعة بن عباد الديلي -﵁- (برقم: ١٥٥٩٣) بلفظ: «يا أيها الناس »، وابن حبان ١٤/ ٦٥٦٢. أثر المسجد في تربية الأطفال وتكوينهم، الثلاثاء، (٠٣ أغسطس ٢٠١٠ م)، (٠١: ٣٣) إذاعة القرآن الكريم بنابلس فلسطين- بتصرف.
[ ٩٣ ]