ولقد حرّم الشرع ما يضر بالعقل ويضيع ثمرته كالخمر وسائر المسكرات
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
[ ١٣٧ ]
* وقال رسول الله -ﷺ-: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (^١).
ولم يقف الأمر على تحريم الخمر فحسب؛ بل حرّم الله الطريق الموصل إليه:
فحرّم تذوق القليل من الخمر لأنه سبيل إلى شرب الكثير منه، قال النبي -ﷺ-: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (^٢)، وقال -ﷺ-: «مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ؛ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (^٣).
وحرّم الجلوس على مائدة أو مجلس يُشرب فيه الخمر: قال النبي -ﷺ-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُشرب عليها الخمر» (^٤).
وغلظ اللعن في كل متعامل مع الخمر: فلُعِنَ في الخمر عشَرَة، كما صحّ من حديث ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أتاني جبريل فقال: يا محمد، إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومُعْتَصِرَها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومُبْتاعَها، وساقيها، وَمُسْقاها» (^٥).
وأمر الشارع بجلد شارب الخمر، ومقداره: أربعون جلدة، ويجوز أن يبلغ ثمانين جلدة، وذلك راجع لاجتهاد الإمام، يفعل الزيادة عند الحاجة إلى ذلك، خاصة إذا أدمن الناس الخمر ولم يرتدعوا بالأربعين؛ لحديث علي بن أبي
_________________
(١) مسلم (٢٠٠٣٠)
(٢) الألباني، صحيح ابن ماجه ٢٧٥٤» حسن صحيح، وفي صحيح الجامع (٥٥٣٠).
(٣) أحمد في المسند (٢٤٤٣٢)، والألباني في صحيح الترمذي (١٨٦٦)، وصحيح أبي داوود (٣٦٨٧)، وصحيح الجامع (٤٥٥٢).
(٤) الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (١٧٢).
(٥) الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (٢٣٦٠) من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ١٣٨ ]
طالب -﵁- في قصة الوليد بن عقبة: «جلد النبي -ﷺ- أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنَّةٌ، وهذا أَحَبُّ إليَّ» (^١).
وعن السائب بن يزيد (^٢) -﵁- قال: «كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله -ﷺ- وفي إمرة أبي بكر وصدرًا من إمرة عمر فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدرًا من إمرة عمر فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين» (^٣)، ولحديث أنس -﵁-: «أن النبي -ﷺ- كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين» (^٤).
والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى. هذا ولقد أجمعت الأمة على تحريم شرب الخمر، وعلى وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلًا أم كثيرًا وسواء أسكر أم لم يسكر.
وقد أوجب الشارع الحد على شارب الخمر حال كونه عالمًا عامدًا مختارًا غير مكره ولا مضطر، وهو الجلد، وذلك تأكيدًا لضرورة حفظ العقل وبيانًا لأهميته ومكانته.
_________________
(١) مسلم (١٧٠٧)، والألباني، صحيح أبي داوود (٤٤٨١).
(٢) السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة، أبو عبد الله، وأبو يزيد الكندي المدني، ابن أخت نمر، وذلك شيء عرفوا به. وكان جده سعيد بن ثمامة حليف بني عبد شمس. قال السائب: «حج بي أبي مع النبي -ﷺ- وأنا ابن سبع سنين». قلت: له نصيب من صحبة ورواية. وقال الواقدي، وأبو مسهر، وجماعة توفي سنة إحدى وتسعين. ينظر: سير أعلام النبلاء (جـ ٣) (ص: ٤٣٧، ٤٣٩).
(٣) البخاري (٦٧٧٩).
(٤) الألباني، صحيح الجامع (٤٩٧٤)، وصحيح ابن ماجه (٢٠٩٩).
[ ١٣٩ ]