- عن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (^٢).
وقوله -ﷺ-: «أو ولد صالح يدعو له»، (الولد الصالح) هو: البارُّ بهما.
والولد البارُّ الذي يدعو لوالديه هو من الأعمال الصالحة التي تجري للوالدين بعد مماتهما، وتقرّ به أعينهما في اللحود والظلمات، يوم يغشاهما منه صالح الدعوات وهما في القبور بيت الوحدة والوحشة والدود، يذكرهما بدعواتٍ صالحات، ينعّمهما بها الكريم المنانُ، وتقرّ به أعينهما في الموقف بين
_________________
(١) البيت للشاعر: حِطّان بن المُعَلَّى الطائي، هو شاعر إسلامي، عاش في صدر الإسلام، ولا نعرف تاريخ ميلاده ولا تاريخ وفاته، لأنّ مؤرخي الأدب أغفلوا ذلك، ولكننا نعرف أنه افتقر بعد غنى، وذلَّ بعد عزّ، رابطة أدباء الشام، بتصرف.
(٢) مسلم، كتاب الوصية: باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (١٦٣١).
[ ١٠ ]
يدي الملك الديان، وإذا تأملنا كلَّ ذلك نجده ثمرة طيبة لتربية حسنة طيبة، كذلك ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، أما الولد غير الصالح إذا كان لم يهتم بإصلاح نفسه وتزكيتها وحملها على طاعة الله تعالى، فهل سيهتم بوالديه برًّا ودعاءً؟ وكذلك ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، وفيه إشارة إلى أنه من أراد أن ينتفع بدعاء ولده له بعد الممات، فليحسن تربيته في حياته قبل الحسرة والفوات.
يجمع الله بين الآباء والأبناء الصالحين في الجنة في الدار الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].
قال ابن كثير -﵀-: «يخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يُرفع الناقصُ العملَ، بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك; ولهذا قال: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]» (^١).