للأسرة المسلمة مسؤولية ووظائف تربوية مميزة من أبرزها ما يلي:
١) العمل على تزويد المجتمع المسلم بالذرية الصالحة التي رغب فيها ديننا الحنيف والتي تكون عاملًا قويًا في تحقق واستمرار الحياة الأُسرية، وضمان استقرارها.
٢) تحقيق عوامل السكون النفسي والطمأنينة لجميع أفراد الأسرة حتى تتم عملية تربيتهم في جوٍّ مُفعمٍ بالسعادة والسرور بعيدًا عن القلق والتوتر والاضطراب والضياع.
ويأتي ذلك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
٣) حُسن تربية الأبناء والقيام بواجب التنشئة الاجتماعية السليمة والتربية الإيمانية الإيجابية السديدة، والعمل على صيانة فطرتهم عن الانحراف
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام: باب من استرعى رعية فلم ينصح (برقم: ٧١٥٠)، ومسلم في كتاب الإيمان: باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار برقم (١٤٢).
[ ٤٩ ]
والضلال، تحقيقًا لقوله -ﷺ-: «كُلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرة فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، أو يُمجِّسانِهِ كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسُّون فيها من جدعاء؟» (^١).
يقول ابن حجر -﵀-: «يريد أنها تُولد لا جدع فيها، وإنما يجدعها أهلُها» (^٢).
يقول الغزالي (^٣): «فالأولاد قلوبهم الطاهرة جواهر نفيسة خالية من كل نقش وصورة، وهم قابلون لكل ما ينقش عليها، فإن عُوِّدُوا الخير والمعروف نشأوا عليه، وسُعِدوا في الدنيا والآخرة، وشاركوا في ثواب والديهم، وإن عُوِّدُوا الشر والباطل، شقُوا وهلكُوا، وكان الوِزْرُ في رقبة والديهم، والوالي لهم» (^٤).
_________________
(١) البخاري (١٣٨٥) ومسلم (٢٦٥٨)
(٢) فتح الباري (٣/ ٢٥٠).
(٣) الغزالي (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) هو: محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي بتشديد الزاي. نسبته إلى الغزال (بالتشديد) على طريقة أهل خوارزم وجرجان: ينسبون إلى العطار عطاري، وإلى القصار قصاري، وكان أبوه غزالًا، أو هو بتخفيف الزاي نسبة إلى (غزالة) قرية من قرى طوس. فقيه شافعي أصولي، متكلم، متصوف. رحل إلى بغداد، فالحجاز، فالشام، فمصر، وعاد إلى طوس. من مصنفاته: «البسيط»، و«الوسيط»، و«الوجيز»، و«الخلاصة»، وكلها في الفقه، و«تهافت الفلاسفة»، و«إحياء علوم الدين». طبقات الشافعية (٤/ ١٠١ - ١٨٠)، والأعلام للزركلي (٧/ ٢٤٧)، والوافي بالوفيات (١/ ٢٧٧). نهجه وعقيدته: أ) قال الذهبي -﵀-: «وأدخله سَيَلانُ ذهنهِ في مضايقِ الكلام، ومزالِّق الأقدام». ا هــ. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٣). ب) وقال أبو بكر بن العربي -﵀-: «شيخُنا أبو حامد: بَلَعَ الفلاسفةَ، وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع». ا هــ. السير (١٩/ ٣٢٧). = = ج) وقال الذهبي أيضًا: «وقد ألّف الرجل في ذمِّ الفلاسفةِ كتابَ «التهافت»، وكَشَفَ عوارَهم، ووافقهم في مواضعَ ظنًّا منه أن ذلك حقٌّ أو موافقٌ للملَّةِ، ولم يكن له علمٌ بالآثار، ولا خبرةٌ بالسنَّةِ النبويَّةِ القاضيةِ على العقلِ، وحُبِّبَ إليه إدمانُ النظرِ في كتابِ «رسائل إخوان الصفا»، وهو داءٌ عضالٌ، وجَربٌ مردٍ، وسمٌّ قتَّال، ولولا أنَّ أبا حامد مِن كبار الأذكياء، وخيار المخلصين لتلِف، فالحذار الحذار مِن هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شُبَه الأوائل وإلا وقعتم في الحيرة …». اهـ. السير (١٩/ ٣٢٨)، وللاستزادة ينظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٣)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ٥٥١ - ٥٥٢)، والكشف عن حقيقة الصوفية (ص ٨٥٠)، وإحياء علوم الدين في ميزان العلماء والمؤرخين. لعلي الحلبي. قلت: ويقولون: إنَّه خُتم له بخيرٍ، فترك التصوفَ والفلسفةَ، ومات و«صحيح البخاري» على صدره! فكان ماذا؟ وهل كان هذا الإمامُ غافلًا عن «البخاري»، وقد أودع منه أحاديث في كتابه «الإحياء»، بل قد جاء في ترجمة «الحافظ أبي الفتيان عمر الروَّاسي» أنَّه «قدم «طوس» في آخر عمره، فصحَّح عليه «الغزَّالي» «الصحيحين»!». قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣١٨) لكنَّ فضلَ اللهِ على خلقه عظيمٌ، ورحمتُه وسعتْ كلَّ شيءٍ فنسأل الله له الرحمة، لكن هذا لا يلزم منه مدحه، والثناء عليه، وتلقيبه بـ «حجة الإسلام»!! ويجب ترك ما في كتبه مِن انحرافٍ وضلالٍ.
(٤) ينظر: إحياء علوم الدين للغزالي (٢/ ٢٠٠).
[ ٥٠ ]
٤) توفير مقومات التربية الإسلامية الصحيحة والعناية بمختلف الجوانب الشخصية للناشئة (عقديًّا، وروحيًّا، وعقليًّا، وجسميًّا).
والحرص على توازن وتكامل تلك المقومات لما لتكاملها وتوازنها من الأثر الكبير في تنشئة وتكوين الشخصية المسلمة السوية، والعمل على تفاعلها وتكيفها وتعاملها مع المجتمع بمختلف فئاته وطبقاته بصورةٍ إيجابيةٍ سليمة وسديدة، وبصفة دائمة مستديمة.
[ ٥١ ]
٥) الحرص على توعية الناشئة بكل نافعٍ ومفيد، والعمل على تصحيح مفاهيمهم المغلوطة والتي أغلبها يلقى عليهم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل والتقنية الحديثة المختلفة وغيرها، وحمايتهم من كل ما يُهدد سلامتهم وسلامة قلوبهم وعقولهم من الغزو العقائدي والفكري والخلقي، وتعليمهم الأخلاق الإسلامية الكريمة والصفات الطيبة الحميدة، والآداب الفاضلة، والعادات والشيم الحسنة، وتربيتهم عليها عمليًّا، حتى يشبوا عليها ويألفوها، ويتعودوا على مبدأ التحلي بالفضائل ومكارم الأخلاق، والتخلي عن الرذائل وسفاسف الأمور.
٦) العمل على إكساب الناشئة الخبرات الأساسية والمهارات الأولية اللازمة لتحقيق تكيفهم وتفاعلهم المطلوب مع الحياة ومتطلباتها ومستجداتها، وإكسابهم الثقة بالنفس، والقدرة على التعامل مع الآخرين، وتربيتهم وتدريبهم على تحمل المسؤولية منذ نعومة أظفارهم بحسب إمكاناتهم وبقدر ما يطيقون ويتحملون من الأعمال بلا إفراط ولا تفريط عملًا بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: عدولًا خيارًا، وكذلك إزجاء وملء أوقاتهم بكل ما يعود نفعه عليهم وعلى مجتمعاتهم وأمتهم بكل خير، يقول النبي -ﷺ-: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس، الصِّحة والفراغ» (^١)، وكذلك الحرص على تعويدهم حضور حلق العلم ومجالس الذكر، والحرص على إلحاقهم بحلق تحفيظ القرآن الكريم، وإعانتهم على حفظ ما يتيسر لهم من سنة النبي الكريم -ﷺ-، والاطلاع على سيرته العطرة المباركة ليتعلموا هديه في عبادته
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤١٢).
[ ٥٢ ]
ومعاملاته، وكذلك ليتعلموا شمائله الكريمة، وصفاته الطيبة، وأخلاقه الحميدة، وسمته الحسن -ﷺ-، وكذلك سير أئمة الهدى ومصابيح الدجى من أصحابه الكرام وأنصاره على دينه -﵃- وكذلك سير أعلام وأئمة الإسلام وسير الصالحين وسير كل من له قدم صدق في نصرة دين الله وإعلاء كلمته في الأرض، وكذلك الاستماع إلى الدروس العلمية والمواعظ النافعة، والحرص كذلك على تعليمهم الأذكار الموظفة وإلى كل ما من شأنه النفع والإعانة على تربيتهم والأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم وثباتهم عليه حتى يلقوا ربهم، ليعذروا بعد ذلك في أداء تلك الأمانة العظيمة والتي سيسألون عنها بين يدي جبار السموات والأرض، يقول -ﷺ-: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم» (^١)، وكذلك من أوجب الواجبات على الوالدين عمومًا وعلى الأب خصوصًا عدم تمكين الأبناء من المحرمات بأنواعها أو التساهل بحجة أنه ما يزال صغيرًا أو غير ذلك من الحجج الواهية.
يقول ابن القيم -﵀-: «والصبي وإن لم يكن مكلفًا: فوليُّه مكلَّف، لا يحل له تمكينه من المحرَّم، فإنه يعتاده، ويعسر فطامه عنه» (^٢).
وذلك تحقيقًا واستجابة لأمر ربنا القائل في محكم التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩)
(٢) تحفة المودود بأحكام المولود (ص ١٦٢).
[ ٥٣ ]
- قال أميرُ المؤمنين عليٌّ -﵁-: «أدِّبوهم وعلِّموهمُ الخيرَ».
- وقال قتادةُ (^١) -﵀-: «تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به، وتساعدهم عليه، فإذا رأيتَ لله معصية؛ زجرتَهم عنها» (^٢).
- قال ابن سعدي -رحمه الله تعالى: «ووقاية الأنفس بإلزامها أمر الله امتثالًا ونهيه اجتنابًا والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل، والأولاد بتأديبهم وتعليمهم وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر الله به في نفسه وفيمن تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هم تحت ولايته وتصرفه» (^٣).
- وقال ابن مسعود -﵁-: «إن الله -﷿- سائل كل ذي رعية فيما استرعاه، أقام أمر الله فيهم أم أضاعه؟ حتى إن الرجل ليسأل عن أهل بيته» (^٤).
_________________
(١) قتادة (٦١ - ١١٨ هـ) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي. من أهل البصرة، ولد ضريرًا، أحد المفسرين والحفاظ للحديث، قال أحمد بن حنبل: قتادة أحفظ أهل البصرة. وكان مع عمله بالحديث رأسًا في العربية، ومفردات اللغة وأيام العرب، والنسب، كان يرى القدر، وقد يدلس في الحديث، مات بواسط في الطاعون. (الأعلام للزركلي (٦/ ٢٧)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١١٥).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٩١).
(٣) تفسير ابن سعدي (ص: ١٠٣٦)
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٦٥٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٨٧٦٤) وأعله الألباني بالانقطاع. قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٨٠): رواه النسائي في عشرة النساء (٢/ ٨٩/ ٢): أخبرني إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، = =عن قتادة، عن أنس مرفوعًا. وبهذا الإسناد عن قتادة عن الحسن مثله. قلت: ورجال الإسنادين ثقات لكن الثاني مرسل، والأول مسند فهو صحيح إن كان قتادة سمعه من أنس فإنه مذكور بشيء من التدليس، والله أعلم. ومن الوجه الأول رواه الضياء في المختارة (١٨٥/ ٢) ثم ذكر الرواية الأخرى المرسلة ثم قال: «قال الدارقطني: والصحيح عن هشام عن قتادة عن الحسن مرسلًا». قلت: وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٥٦٢) وابن عدي في «الكامل» (١٣/ ١) من طريق إسحاق بن إبراهيم وهو ابن راهويه ثم قال: «وهو حديث يتفرد به إسحاق بن راهويه»، قلت: هو إمام ثقة حافظ فلا يضر تفرده. ويشهد للحديث قوله -ﷺ-: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته …» الحديث، وهو مخرج في «غاية المرام في تخريج الحلال والحرام» (٢٦٨). وروى عبد الرزاق في «المصنف» (٢٠٦٥٠) وعنه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨٨٥٥) عن قتادة: أن ابن مسعود قال: «إن الله -﷿- سائل كل ذي رعية فيما استرعاه، أقام أمر الله فيهم أم أضاعه؟ حتى إن الرجل ليسأل عن أهل بيته»، وهو موقوف منقطع؛ لأن قتادة لم يسمع من ابن مسعود كما قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠٨).
[ ٥٤ ]
وهذه الرعاية التي فرضها الله على الآباء وسيسألهم عنها يوم القيامة تتمثل في أداء الحقوق والواجبات.
- ويقول ابن القيم -﵀- أيضًا: «فمن أهملَ تعليمَ ولدِهِ ما ينفعه، وَتَرَكَهَ سُدى، فقد أَساءَ إليه غايةَ الإساءة، وأكثرُ الأولادِ إِنما جاء فسادُهُم من قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهِم فرائضَ الدينِ وَسُنَنَه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كِبَارًا» (^١).
- وقال ابن حجر (^٢) -رحمه الله تعالى: «وهو مسؤول عنهم لأنه أُمر أن
_________________
(١) تحفة المودود بأحكام المولود. تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة دار البيان بدمشق، ومكتبة المؤيد بالطائف، الطبعة الثانية (١٤٠٧ هـ)، صفحة (١٣٩).
(٢) ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) هو: أحمد بن علي بن محمد، شهاب الدين، = = أبو الفضل الكناني العسقلاني، المصري المولد والمنشأ والوفاة، الشهير بابن حجر - نسبة إلى (آل حجر) قوم يسكنون بلاد الجريد وأرضهم قابس في تونس، من كبار الشافعية، كان محدثًا فقيهًا مؤرخًا، انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم، ومعرفة العالي والنازل، وعلل الأحاديث وغير ذلك. تفقه بالبلقيني والبرماوي والعز بن جماعة. ارتحل إلى بلاد الشام وغيرها، تصدى لنشر الحديث وقصر نفسه عليه مطالعة وإقراءً وتصنيفًا وإفتاء، وتفرد بذلك حتى صار إطلاق لفظ المُحدِّث عليه كلمة إجماع، درس في عدة أماكن وولي مشيخة البيبرسية ونظرها والإفتاء بدار العدل، والخطابة بجامع الأزهر، وتولى القضاء، زادت تصانيفه على مائة وخمسين مصنفًا، من تصانيفه: «فتح الباري شرح صحيح البخاري» خمسة عشر مجلدًا؛ و«الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية»، و«تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير». وينظر: الضوء اللامع (٢/ ٣٦)، والبدر الطالع (١/ ٨٧)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٠)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٠).
[ ٥٥ ]
يحرص على وقايتهم من النار، وامتثال أوامر الله واجتناب مناهيه» (^١).
_________________
(١) يقول الباحث: وابن حجر مع جلالة قدره في علم الحديث إلا أنه كثيرًا ما يقرر عقيدة الأشاعرة ولا سيما في فتح الباري: وإليك أيها القارئ الكريم غيضًا من فيض من تأويلات ابن حجر لصفات الرب جل في علاه مقررًا عقيدة الأشاعرة متجنبًا لمنهج السلف في إثبات الأسماء والصفات على حقيقتها على وجه يليق بذاته سبحانه بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل.
(٢) نزَّه الله عن اليد التي هي جارحة. فقال: في الهدي (هدي الساري) (٢١٩): قوله: (أطولهن يدًا) أي: أسمحهن.
(٣) أول الاستحياء: قال: في الفتح (١/ ١٨٩): «قوله: (فاستحيا الله منه) أي: رحمه ولم يعاقبه.
(٤) أوَّلَ اليد بالقدرة: قال: في الفتح (١/ ٤١٩): «والمراد باليد هنا القدرة».
(٥) تأويل العجب: قال: في الفتح (٦/ ١٦٨): «وقد تقدم توجيه العجب في حق الله في أوائل الجهاد وأن معناه الرضا ونحو ذلك …». … = ٥=- تأويله للغضب في موضع آخر: قال: في الفتح (٧/ ١٧٩): «والمراد بغضب الله إرادة إيصال العقاب …».
(٦) نفي الجوارح والأعضاء نفيًا مطلقًا درءًا للتجسيم. قال: (٨/ ٥٣٢): «لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء».
(٧) تأويل الفرح قال: (١١/ ١٠٩): «وقال ابن أبي جمرة: كنَّى عن إحسان الله للتائب وتجاوزه عنه بالفرح؛ لأن عادة الملك إذا فرح بفعل أحد أن يبالغ في الإحسان إليه …» اهـ.
(٨) تأويل النزول قال: (١١/ ١٣٣): «وقال الكرماني: …: النزول محال على الله؛ لأن حقيقته الحركة من جهة العلو إلى السفل، وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه عن ذلك، فليُتأول ذلك بأن المراد نزول ملك الرحمة ونحوه، أو يفوض مع اعتقاد التنزيه …». اهـ.
(٩) تأويل الضحك والأخذ بالمجاز، قال: (١١/ ٤٥٢): «قال البيضاوي: نسبة الضحك إلى الله تعالى مجاز بمعنى الرضا …» اهـ.
(١٠) تأويل الساق: قال: (١١/ ٤٥٩): «ومعنى كشف الساق زوال الخوف والهول …». اهـ.
(١١) تأويل نظر الله، قال الحافظ (١٣/ ٢١٥): «ومعنى لا ينظر إليهم: يعرض عنهم. ومعنى نظره لعباده: رحمته لهم ولطفه بهم …» اهـ. موقف علمائنا من الحافظين، ابن حجر، والنووي -رحمهما الله-: أهل السنَّة والجماعة منصفون في الحكم على الآخرين، لا يرفعون الناس فوق ما يستحقون، ولا ينقصون قدرهم، ومن الإنصاف بيان خطأ المخطئ من أهل العلم والفضل، والتأول له، والترحم عليه، كما أن من الإنصاف التحذير من خطئه؛ لئلا يغتر أحد بمكانته فيقلده فيما أخطأ فيه، وأهل السنَّة لا يتوانون عن الحكم على المخالف المتعمد للسنَّة بأنه مبتدع ضال، وقد وُجد في زماننا هذا من نال من ابن حجر والنووي، فحكم عليهما بأنهما مبتدعان ضالان!، وبلغت السفاهة ببعضهم أن قال بوجوب= =إحراق كتابيهما «فتح الباري» و«شرح مسلم»!. وليس معنى هذا أنهما لم يخطئا في مسائل من الشرع، وبخاصة في باب صفات الله تعالى، وقد علَّق عليها علماؤنا، وبينوها، وردوا عليهما، مع الترحم عليهما، والثناء بما يستحقانه، والدعاء لهما، والوصية بالاستفادة من كتبهما، وهذا هو الإنصاف الذي عُرف به أهل السنَّة والجماعة، بخلاف من بدَّعهما، وضلَّلهما، وقال بإحراق كتبهما، وبخلاف من استدل بكلامهما كأنه شرع منزَّل، وجعل ما يعتقدانه هو الحق الذي لا ريب فيه، وسنذكر ما يتيسر من كلام علمائنا ليقف المسلم على الإنصاف، والعلم، والحكم بالعدل على هذين الحافظين.
(١٢) سُئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية: ما هو موقفنا من العلماء الذين أوَّلوا الصفات، مثل ابن حجر، والنووي، وابن الجوزي، وغيرهم، هل نعتبرهم من أئمة أهل السنَّة والجماعة، أم ماذا؟ وهل نقول: إنهم أخطأوا في تأويلاتهم، أم كانوا ضالين في ذلك؟ فأجابوا: «موقفنا من أبي بكر الباقلاني، والبيهقي، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي زكريا النووي، وابن حجر، وأمثالهم ممن تأول بعض صفات الله تعالى، أو فوَّضوا في أصل معناها: أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، فرحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة -﵃- وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي -ﷺ- بالخير، وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة ﵏، سواء تأولوا الصفات الذاتية، وصفات الأفعال، أم بعض ذلك، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم» انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز. الشيخ عبد الرزاق عفيفي. الشيخ عبد الله بن قعود، «فتاوى اللجنة الدائمة» (٣/ ٢٤١).
(١٣) وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين -﵀-: بالنسبة للعلماء الذين وقعوا في بعض الأخطاء في العقيدة، كالأسماء والصفات، وغيرها، تمر علينا أسماؤهم في الجامعة حال الدراسة، فما حكم الترحُّم عليهم؟ … = = الشيخ: مثل مَن؟. السائل: مثل: الزمخشري، والزركشي، وغيرهما. الشيخ: الزركشي في ماذا؟. السائل: في باب الأسماء والصفات. فأجاب: «على كل حال، هناك أناس ينتسبون لطائفة معينة شعارها البدعة، كالمعتزلة مثلًا، ومنهم الزمخشري، فالزمخشري مُعتزلي، ويصف المثْبِتِين للصفات بأنهم: حَشَوِية، مُجَسِّمة، ويُضَلِّلهم فهو معتزلي، ولهذا يجب على مَن طالع كتابه «الكشاف» في تفسير القرآن أن يحترز من كلامه في باب الصفات، لكنه من حيث البلاغة، والدلالات البلاغية اللغوية جيد، يُنْتَفع بكتابه كثيرًا، إلا أنه خَطَرٌ على الإنسان الذي لا يعرف في باب الأسماء والصفات شيئًا، لكن هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع، لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل: ابن حجر العسقلاني، والنووي -رحمهما الله-، فإن بعض السفهاء من الناس قدحوا فيهما قدحًا تامًّا مطلقًا من كل وجه، حتى قيل لي: إن بعض الناس يقول: يجب أن يُحْرَقَ «فتح الباري»؛ لأن ابن حجر أشعري، وهذا غير صحيح، فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثل ما قدَّماه، ويدلك على أن الله -﷾- بحوله وقوته -ولا أَتَأَلَّى على الله- قد قبلها: ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس، لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب «رياض الصالحين» يُقرأ في كل مجلس، ويُقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابًا مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته، وفي مسجده، فكيف يقال عن هذين: إنهما مبتَدعانِ ضالان، لا يجوز الترحُّم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما! ويجب إحراق «فتح الباري»، و«شرح صحيح مسلم»؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال، وبلسان المقال: أَقِلُّوا عليهمْ لا أبا لأبيكمُ مِن اللومِ، أو سدوا المكان الذي سدوا، من كان يستطيع أن يقدم للإسلام والمسلمين مثلما قدَّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله، فأنا أقول: غفر الله للنووي ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين، وأمِّنوا = =على ذلك» انتهى. «لقاءات الباب المفتوح» (٤٣/ السؤال رقم ٩).
(١٤) وسئل معالى الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء -حفظه الله-: لقد ظهر بين طلاب العلم اختلاف في تعريف المبتدع فقال بعضهم: هو من قال أو فعل البدعة، ولو لم تقع عليه الحجة، ومنهم من قال لا بد من إقامة الحجة عليه، ومنهم من فرَّق بين العالم المجتهد وغيره من الذين أصلوا أصولهم المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وظهر من بعض هذه الأقوال تبديع ابن حجر والنووي، وعدم الترحم عليهم؟ فأجاب: «أولًا: لا ينبغي للطلبة المبتدئين وغيرهم من العامة أن يشتغلوا بالتبديع والتفسيق؛ لأن ذلك أمر خطير وهم ليس عندهم علم ودراية في هذا الموضوع، وأيضًا هذا يُحدث العداوة والبغضاء بينهم، فالواجب عليهم الاشتغال بطلب العلم، وكف ألسنتهم عما لا فائدة فيه، بل فيه مضرة عليهم، وعلى غيرهم. ثانيًا: البدعة: ما أحدث في الدين مما ليس منه؛ لقوله -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» -رواه البخاري-، وإذا فعل الشيء المخالف جاهلًا؛ فإنه يعذر بجهله، ولا يحكم عليه بأنه مبتدع، لكن ما عمله يعتبر بدعة. ثالثًا: من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره، كابن حجر، والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات: لا يُحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال: هذا الذي حصل منهما خطأ، ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنَّة رسول الله -ﷺ-، فهما إمامان جليلان، موثوقان عند أهل العلم» انتهى. «المنتقى من فتاوى الفوزان» (٢/ ٢١١، ٢١٢).
(١٥) وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث العصر -﵀-: «مثل النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهما، من الظلم أن يقال عنهم: إنهم من أهل البدع، أنا أعرف أنهما من «الأشاعرة»، لكنهما ما قصدا مخالفة الكتاب والسنَّة، وإنما وهِما، وظنَّا أنما ورثاه من العقيدة الأشعرية: ظنّا شيئين اثنين: أولًا: أن الإمام الأشعري يقول ذلك، وهو لا يقول ذلك إلاَّ قديمًا؛ لأنه رجع عنه. وثانيًا: توهما صوابًا، وليس بصواب. انتهى من (شريط رقم ٦٦٦) «من هو الكافر ومن هو المبتدع». … = = فرحم الله: النووي وابن حجر، وغفر لهما ما أخطآ فيه، والله أعلم. يقول الباحث: ذكرت ونقلت هذا ديانة وأمانة، وللاستزادة، ينظر: الإسلام سؤال وجواب. للمنجد، ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين. فتح الباري شرح صحيح البخاري (كتاب النكاح) (٩/ ١١٣). (قول ابن حجر).
[ ٥٦ ]
وقال: قال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: ٦] أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم (^١) فلا أعز على الإنسان من نفسه ولا أقرب له من أهله، ولا سعادة تعدل سعادة نجاة الإنسان وأهله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
وفي المقابل فإن خسارتهم يوم القيامة تعد خسارة عظيمة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
لذا فمن أولى أولويات الآباء في تربية الأبناء، وأوجب الواجبات في رعايتهم، وأحق الحقوق هو حقهم في البناء الإيماني الذي يؤهلهم لما ينتظرهم في دنياهم وآخرتهم.
ولا شك أن من كان في إيمانه أعمق كان في كل جوانب حياته أنجح، فلا أقل من أن يعرف كيف يستعين بربه في جميع أموره، وهو الأكثر يقينًا حال استعانته، وإن كان يجهل طريق الوصول لما يريد فإنه يعلم كيف يسأل الله أن يعلمه ويهديه إلى سواء السبيل.
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (كتاب التفسير) (٨/ ٦٥٩) (أثر مجاهد).
[ ٦١ ]
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
ومن وفقه الله لأداء هذا الحق لأبنائه حبًّا لله وخوفًا منه فهو الذي قد أدى حق ربه وحق أبنائه على أكمل وجه، ومثله حري به أن يحسن على ذاك السؤال جوابًا: وأما من أساء وظلم فليعد للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا.
٧) الأمر باعتناق العقيدة الصحيحة وتعلمها:
تعريف الأبناء بأهمية التوحيد، وعرضه عليهم بأسلوب يسير (سهل). يناسب عقولهم ومداركهم ومراحلهم العمرية مع بثّ روح المراقبة لله والخوف منه -﷾-، مع بيان أسمائه وصفاته التي تدل على اطلاعه على خلقه وسعة علمه سبحانه بعباده، كالعليم والسميع والبصير مع بيان مدلولاتها ومعانيها، وأثرها في سلوكهم، وبيان معيته لخلقه بعلمه وسمعه ورؤيته لعباده (مع علوه جل في علاه).، قال -﷾- مخاطبًا نبيه وكليمه موسى وأخاه هارون -﵇-: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
- قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى: «﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] أَيْ: لَا تَخَافَا مِنْهُ فَإِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَع كَلَامكُمَا وَكَلَامه وَأَرَى مَكَانكُمَا وَمَكَانه لَا يَخْفَى عَلَيَّ مِنْ أَمْركُمْ شَيْء وَاعْلَمَا أَنَّ نَاصِيَته بِيَدِي فَلَا يَتَكَلَّم وَلَا يَتَنَفَّس وَلَا يَبْطِش إِلَّا بِإِذْنِي وَبَعْد أَمْرِي وَأَنَا مَعَكُمَا بِحِفْظِي وَنَصْرِي وَتَأْيِيدِي» (^١).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ٢٦١)
[ ٦٢ ]
٨) وكذلك حثّ الأبناء على الطهارة وتعلم صفة وضوء النبي -ﷺ- عمليًّا، وكذلك صفة صلاته صلوات الله وسلامه عليه، كما رغبنا -ﷺ- في ذلك في صحيح سنته: فـ (عَن حُمْرَانَ (^١) -مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -﵄-، أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ -الوَضُوء بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به، وبضمها غسل أعضاء الوضوء-، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِن إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٢).
وكذلك تعليمهم إقامة الصلاة وتعويدهم على أدائها في جماعة على الوجه الصحيح والمطلوب شرعًا، عملًا بقوله -ﷺ-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٣).
واستجابة لأمره -ﷺ-، القائل: «علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعًا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا، وفرقوا بينهم في المضاجع» (^٤).
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدور التربوي للأُسرة في عصرنا الحاضر قد
_________________
(١) حمران بن أبان الفارسي الفقيه مولى أمير المؤمنين عثمان، كان من سبي عين التمر ابتاعه عثمان من المسيب بن نجبة، حدَّث عن عثمان، ومعاوية، وهو قليل الحديث، سير أعلام النبلاء (ص: ١٨٣).
(٢) متفق عليه رواه البخاري (٤٨/ ١)، ومسلم (٢٠٤/ ١)، وغيرهما.
(٣) البخاري (٦٠٠٨ - ٧٢٤٦) من حديث مالك بن الحويرث -﵁-.
(٤) الألباني، صحيح الجامع (٤٠٢٦) صحيح.
[ ٦٣ ]
تقلص بعض الشيء ولم يعد بنفس المنزلة التي كان عليها من قبل، والسبب في ذلك أن هناك مؤسساتٍ اجتماعيةً أُخرى تمكنت في العصر الحاضر من مُزاحمة الأسرة والسيطرة على معظم الوقت الذي يقضيه الناشئ تحت تأثيرها، ومن هذه المؤسسات وسائل الإعلام التي تُعد بحق في عصرنا أهم وأبرز المؤسسات التربوية الاجتماعية المؤثرة تأثيرًا فاعلًا في حياة الإنسان صغيرًا كان أم كبيًرا، جاهلًا أم مُتعلمًا، ذكرًا أم أُنثى، سلبًا وإيجابًا، بخيرها وشرها، بحلوها ومرها (^١).
٩) العدل بين الأولاد وحسن معاملتهم: لقد حثّنا ديننا الحنيف وأمرنا بالعدل بين الأبناء في المعاملة وفي كل عطاء معنويًّا كان أم ماديًّا، وأوامر النبي -ﷺ- في هذا المعنى متوافرة في سنته المطهرة.
فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟» فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَارْجِعْهُ» (^٢).
وفي لفظ آخر للشيخين أيضًا، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ فَقَالَتْ أُمِّي؛ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ». فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ (^٣). وفي لفظٍ لمسلم فقال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَا بَشِيرُ، أَلَكَ
_________________
(١) صالح بن علي أبو عرَّاد، مقدمة في التربية الإسلامية. الرياض: دار الصولتية للتربية (١٤٢٤ هـ) بتصرف يسيرٍ
(٢) رواه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣).
(٣) البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣).
[ ٦٤ ]
وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (^١).
- ووجه الدلالة على تحريم تفضيل بعض الأولاد على بعض من الحديث ظاهرة من وجوه:
الأول: أمره بالعدل والأمر يقتضي الوجوب.
الثاني: بيانه أن تفضيل أحدهم أو تخصيصه دون الباقين ظلم وجور، إضافة إلى امتناعه عن الشهادة عليه وأمره برده، وهذا كله يدل على تحريم التفضيل، والاستدلال أيضا بحجج عقلية؛ فمنها: ما ذكره ابن حجر حيث قال -﵀-: «ومِن حجة مَن أوجب العدل: أن هذا مقدمة الواجب؛ لأن قطع الرحم والعقوق محرمان، فما يؤدي إليهما يكون محرمًا.
والتفضيل مما يؤدي إلى ذلك» (^٢).
ويؤيد ذلك ما جاء في لفظٍ عند مسلم: «قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا» (^٣).
ومنها أن تفضيل بعضهم على بعض يورث العداوة والبغضاء فيما بينهم، وأيضا فيما بينهم وبين أبيهم فمنع منه، وهو في معنى السابق (^٤).
_________________
(١) مسلم (١٦٢٣).
(٢) فتح الباري (٥/ ٢١٤).
(٣) مسلم (١٦٢٣).
(٤) المغني (٥/ ٦٦٤).
[ ٦٥ ]