فالمعنى العام للأمانة: يتناول جميع الأوامر والنواهي الشرعية.
ومما يدلُّ على ذلك: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
- أورد الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- جمعًا من أقوال السلف في تفسير لفظ: «الأمانة»، ثمّ قال: «وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها؛ بل هي متفقة وراجعة إلى أنها: التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق اللهُ، وبالله المستعان» (^١).
- قال ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في معنى الأمانة: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لم يَخُصّ بقوله: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] بعض معاني الأمانات لما وصفنا» (^٢).
_________________
(١) انتهى من تفسير ابن كثير (٦/ ٤٨٩).
(٢) انتهى من تفسير الطبري (١٩/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
[ ٤ ]
- وقال القرطبي -رحمه الله تعالى: «والأمانة تعمّ جميع وظائف الدّين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور» (^١).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]، فنهى الله عن خيانة الأمانات، ومن أجلِّ تلك الأمانات وأعظمها عند الله تعالى؛ تربية الأبناء.
- ومن علامات النفاق: خيانة الأمانة. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (^٢).
- وقال -ﷺ-: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه؛ أحفظ أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته» (^٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨].
- قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (^٤) -رحمه الله تعالى: في قول الله
_________________
(١) انتهى من تفسير القرطبي (١٧/ ٢٤٤).
(٢) رواه البخاري (٣٤)، مسلم (٥٨).
(٣) صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٩٦٦).
(٤) الشيخ المحقق الأصولي المفسر؛ محمد الأمين الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ) - (١٩٠٥ - ١٩٧٤ م)، هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي المدني، ولد بموريتانيا عام (١٣٢٥ هـ -١٩٠٥ م)، نشأ يتيمًا فكفله أخواله وأحسنوا تربيته ومعاملته، فدرس في دارهم علوم القرآن الكريم والسيرة النبوية= =المباركة والأدب والتاريخ، فكان ذلك البيت مدرسته الأولى. ثم اتصل بعدد من علماء بلده فأخذ عنهم، ونال منهم الإجازات العلمية، عُرف عنه الذكاء واللباقة والاجتهاد والهيبة، اجتهد في طلب العلم فأصبح من علماء موريتانيا، وتولى القضاء في بلده فكان موضع ثقة حكامها ومحكوميها .. وكان من أوائل المدرسين في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سنة (١٣٨١ هـ)، ثم عين عضوًا في مجلس الجامعة، كما عين عضوًا في مجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي، وعضوًا في هيئة كبار العلماء بالسعودية ٨/ ٧/ ١٣٩١ هـ. توفي بمكة بعد أدائه لفريضة الحج في السابع عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة. وصلي عليه بالمسجد الحرام، ودفن بمقبرة المعلاة بمكة. وللاستزادة ينظر: الموسوعة الحرة، وعلماء نجد. للبسام (٦/ ١٧٤).
[ ٥ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨]:
«والأمانة تشمل: كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يُرضي الله، وحفظ ما اؤتمنت عليه من حقوق الناس ..» (^١).
وإنما تكون رعاية الأمانة في الأبناء بتربيتهم وتعليمهم وتأديبهم منذ الصغر، وبإلزامهم أداء ما أوجب الله عليهم من طاعته سبحانه، وأطرهم على الحق أطرًا، وإبعادهم عن كل موجبات سخط الله وعذابه وأليم عقابه، ولا شك أن هذا الأمر-يُشعر بجسامة المسؤولية وعِظم الخطب وأن الوالدين يتحملان مسؤوليةً عظمية، وأمانة كبيرة وجسيمة، فإن قاما بواجبيهما تجاه الأبناء سعدا في الدنيا والآخرة وسعدت معهما ذريتهما، وإن قصرا وفرَّطا في واجبيهما خسرا خسرانًا مبينًا، فلم ينتفعا بذريتهما في الدنيا برًّا وإعانة وإحسانًا، وفي الآخرة كانت
_________________
(١) انتهى من أضواء البيان (٥/ ٨٤٦).
[ ٦ ]
الذرية عليهما وبالًا، وكان الحساب عليهما عسيرًا، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤]، إنها مسؤولية عظيمة فليعدا للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا.
وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمر (^١) -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، ويكنى بأبي عبد الرحمن، صحابي جليل وابن ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب وراوٍ للحديث وعالم من علماء الصحابة، لم يشهد بدرًا وأُحدًا لصغر سنِّه، وشارك في غزوة الخندق عندما سمح له النبي بذلك، وهو ابن خمسة عشر عامًا، وشارك في بيعة الرضوان، كان فقيهًا كريمًا حسن المعشر طيِّب القلب، لا يأكل إلا وعلى مائدته مسكين يشاركه الطعام. ولد قبل البعثة بعام. وكان أشبه ولد عمر بعمر. وأسلم عبد الله بن عمر بمكة مع أبيه، ولم يكن بلغ يومئذ، وكانت هجرته قبل هجرة أبيه. وقد أخرج البخاري وغيره عن نافع عن ابن عمر قال: عرضت على النبي -ﷺ- يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. روى عن النبي -ﷺ- علمًا كثيرًا، وروى عنه عدد كبير من التابعين. قال الذهبي: لابن عمر في مسند بقي بن مخلد ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا بالمكرر، واتفقا له على مائة وثمانية وستين حديثًا، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وثلاثين. سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٣٨). وكان -﵁- طويلًا جسيمًا. سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٠٩). وصفه أبو نعيم بقوله: «الزاهد في الإمرة والمراتب، الراغب في القربة والمناقب، المتعبد المتهجد، المتتبع للأثر المتشدد، نزيل الحصباء والمساجد، طويل الرغباء في المشاهد، يعد نفسه في الدنيا غريبًا، ويرى كل ما هو آتٍ قريبًا، المستغفر التواب». الحلية (١/ ٢٩٢). عن سالم بن عبد الله: «مات أبي بمكة، ودفن بفخ سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وثمانين» سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٣١). وللاستزادة، ينظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٢٩٢)، (٣/ ٢٠٩)، (٣/ ٢٣١)، (٣/ ٢٣٨)، والطبقات الكبرى لابن سعد (جـ ٣ - ص ٢٦٥)، ومحض الصواب في فضائل أمير= =المؤمنين عمر بن الخطاب (جـ ١ - ص ١٣١)، وسيرة ابن هشام، والطبقات الكبرى لابن سعد (جـ ٤ - ص ١٣٣)، والبداية والنهاية لابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة (جـ ٣ - ص ٣٣٦).
[ ٧ ]
يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (^١).
وقد أحسن من قال:
لَيْسَ اليَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ … هَمِّ الحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلًا
إِنَّ اليَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ … أُمَّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولًا (^٢).
_________________
(١) البخاري (٨٥٣)، ومسلم (١٨٢٩).
(٢) بتصرُّفٍ من ديوان أحمد شوقي في قصيدته الموسومة بعنوان: «العلم والتعليم وواجب المعلم». أحمد شوقي (١٢٨٥ - ١٣٥١ هـ = ١٨٦٨ - ١٩٣٢ م)، هو: أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي: أشهر شعراء العصر الأخير. يلقب بأمير الشعراء، مولده ووفاته بالقاهرة. كتب عن نفسه: «سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب» نشأ في ظل البيت المالك بمصر، وتعلم في بعض المدارس الحكومية، المكتبة الشاملة- بتصرف عقيدة أحمد شوقي: قال الشيخ يحيى الحجوري -حفظَهُ اللهُ تعالى-: «أحمد شوقي ضالٌ مُضِلٌّ، ولهُ في «شوقيَّاتهِ» أشعارٌ في غايةِ البُطلانِ تدلُّ على أنَّهُ صوفيٌّ تالف، وقد نبَّهَ على ضلالاته في هذا الكتاب الشيخ عبد الكريم الحميد في كتابه: الكافي في التَّحذير من مضلات القوافي -تعقبات على أحمد شوقي- فجزاهُ اللهُ خيرًا …» حشدُ الأدلَّة (٢٩). وقال الشيخ يحيى الحجوري أيضًا -حفظَهُ اللهُ تعالى-: معلقًا على بعض ألفاظه «في الأصل: «فهو كهف التائبينا»!!! ولا يصلُح أن يُقال: «كهف التائبينا» وهذا من عدم تقيُّد= =هذا الضليل بالأدلة في صفات الله -﷿-» حشدُ الأدلَّة (٣٠). تعليق عبد الكريم بن صالح الحميد في كتابه: الكافي من التحذير من مضلات القوافي، على بعض قصائد أحمد شوقي. «قال أحمد شوقي في قصيدة: وطني لديك وأنت سمح مفضل … تنسى الذنوب وتذكر الأعذار تاب الزمان إليك من هفواته … بوزارة تمحى بها الأوزار كأن شوقي لا يريد أن يدع لله شيئًا حيث اتخذ الوطن معبودًا وصَرَفَ له من أنواع العبادة ما صَرْفُهُ لغير الله شركٌ، وحتى التوبة إنما يتوب الزمان إلى الوطن!! والمصيبة العظمى أن أهل هذا الجيل يتغنون بقصائده ويعظمونها». اهـ. الكافي من التحذير من مضلات القوافي (ص ٥٨ - ٦٢).
[ ٨ ]
للتربية الحسنة ثمار عظيمة في الدنيا والآخرة، من أهمها: