لقد تظاهرَتْ دلائل التنزيل (الكِتَاب والسُّنة). على ذمِّ من خالف قولُهُ فعلَه؛ لأنَّ ذلك فيه دلالة على ضعف إيمان صاحبه، وقد يؤدي به إلى النِّفاق، عياذًا بالله تعالى من ذلك، وقد جبلت نفوس أهل الإيمان على محبة وقبول من وافق قولُهُ فعلَه والنفور ممن خالف قولُهُ فعلَه، ولذا فيجب وجوبًا حتميًّا على كل مصلح وداعٍ ومُرَبٍّ حريص على أن يكون قدوة حسنة يُتأسى ويُقتدى به، أن يحرص كل الحرص على موافقة القولِ العملَ، حتى يكون داعيًا بحاله قبل مقاله.
وهذا يلزمه أن تأتي أعمالُهُ موافقة لأقواله؛ لأن هذه السمة الحسنة تكسب المربي والمصلح والداعي والقدوة ثقة وقناعة وإجلالًا وتقديرًا في نفوس المدعوين، فيتأسون بما يقول ويقتدون بما يعمل، كما يندرج تحت هذه السمة العظيمة أن تكون الأقوال الموافقة للأعمال مستمدة من شرع الله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
قال الإمام الطبري: «إنَّ الله -تعالى- قد ذَمَّ بني إسرائيل على عدم إتْباع العِلمِ العملَ؛ فقال سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، فإنَّهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبِتَقواه وهم يَعصُونه، فعَيَّرهم الله تعالى» (^١).
_________________
(١) جاء ذلك عن السُّدِّي وقتادة -رحمهما الله تعالى- كما في «تفسير الطبري» (١/ ٢٥٨).
[ ١٩٤ ]
وفي آيةٍ أخرى أخْبَر الله عنهم بقَوْله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
قال مالك بن مغول (^١) -رحمه الله تعالى: «تركوا العمل به» (^٢).
وفي قول الله تعالى: ﴿نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقوله سبحانه: ﴿نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]، وقوله -﷿-: ﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان: ١٨].
- قال المفسِّرون: «ترَكُوا العمل به، فصاروا كالنَّاسين» (^٣).
وإنَّ المتأمل في سير الأنبياء الكرام -﵈- وهم رُؤوس المُصْلِحين وقدوات الأنام، يرى أفعالَهم تُوافقها أقوالُهُم، حتَّى إنَّ المكذِّبين بهم من أقوامهم لم يَرْموهم بمخالفة أفعالِهِم أقوالَهم مع حاجتهم لمثل هذه التُّهمة في صَرْف النَّاس عن دَعوتهم وتصديقهم والإيمان بهم، لكنهم لم يَفْعلوا ذلك؛ لِعِلمهم أن الناس لا يصدِّقونهم؛ لأنّه من الكذب الظَّاهر، ومن الأنبياء مَن صرَّح بذلك كما فعَل شُعَيب -﵇- حين وعَظ قومه، فبيَّن لهم أنَّه أوَّل مَن يمتثِلُ ما يدعوهم إليه، حين ذكر الله -تعالى- من خبره مع قومه أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا
_________________
(١) مالك بن مغول بن عاصم بن غزية بن خرشة، الإمام، الثقة، المحدث أبو عبد الله البجلي، الكوفي، قال أحمد: ثقة، ثبت في الحديث، وقال ابن معين وأبو حاتم وجماعة: ثقة، وقال العجلي: رجل صالح مبرز في الفضل، وقال أحمد: سمعت ابن عيينة يقول: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله. فوضع خده بالأرض، توفي سنة (١٥٩ هـ)، قلت: كان من سادة العلماء، سير أعلام النبلاء (ص: ١٧٤، ١٧٥/ ٧).
(٢) فتح المغيث (٢/ ٣٥٩).
(٣) تفسير القرطبي (٧/ ٢١٧)، و(١٣/ ١١)، و(١٥/ ١٨٩)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٢٢١).
[ ١٩٥ ]
أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].
فموافقة القَول العمل فيها تأسٍّ بالأنبياء -﵈-.
وأنشد بعضهم:
يا واعظ النّاس قد أصبحت متّهمًا … إذْ عبت منهم أمورًا أنت تأتيها
أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدًا … فالموبقات لعمري أنت جانيها
تعيب دنيا وناسًا راغبين لها … وأنت أكثر منهم رغبة فيها (^١).
يقول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى: «ما كتبتُ حديثًا إلَّا وقد عملتُ به» (^٢).
ويقول سفيان الثوري -رحمه الله تعالى: «العلم يَهْتف بالعمل، فإنْ أجاب وإلَّا ارتحَل» (^٣).
يقول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
قال القرطبي -﵀- في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، «اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّوْبِيخَ فِي الْآيَةِ بِسَبَبِ تَرْكِ فِعْلِ الْبِرِّ، لَا بِسَبَبِ
_________________
(١) إحياء علوم الدين (١/ ٦٣)، والأبيات لأبي العتاهية.
(٢) رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١٨٤).
(٣) رواه ابن عبد البرِّ في جامع بيان العلم (٨١٣) وجاء مثله عن ابن المنكدر في اقتضاء العلم العمل (٤١).
[ ١٩٦ ]
الْأَمْرِ بِالْبِرِّ» (^١).
الوعيد الشديد لمن خالف قولُه فعلَه:
١ - فصاحبه متوعَّدٌ بمقْت الله تعالى وغضبه وسخطه كما في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣].
٢ - ومُتوعَّدٌ بالعذاب في النَّار، كما في قول الله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].
قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى: «فيَجب على المذكِّر -بالكسر- والمذكَّر -بالفتح- أن يَعْملا بمُقتضى التَّذكرة، وأن يتحَفَّظا عن عدم المبالاة بها؛ لئلَّا يكونا حِمَارين من حمُر جهنم» (^٢).
٣ - وعذابه في النَّار يكون بطريقةٍ بَشِعة منفِّرة، جاء تصويرُها في حديث أسامة ابن زيد -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «يُجاء بالرَّجل يوْم الْقيامة، فيُلْقى في النار، فتنْدلق أقْتابُه في النار، فيَدُور كما يدور الحمار بِرَحَاه، فيجْتمع أهْل النار عليْه فيقولون: أيْ فلان، ما شأْنُك؟ أليْس كنْتَ تأمُرنا بالمعْروف وتنْهانا عن المنْكر؟ قال: كنْتُ آمركمْ بالمعْروف ولا آتيه، وأنْهاكمْ عن المُنْكَر وآتيه» (^٣).
٤ - ومتوعَّدٌ بقرض شفتيه بمقاريضَ منْ نارٍ لما ثبت من حديث أنس بْن مالكٍ
_________________
(١) انتهى من تفسير القرطبي (١/ ٣٦٦).
(٢) أضواء البيان (١/ ٤٦٣).
(٣) رواه البخاري (٣٠٩٤)، ومسلم (٢٩٨٩).
[ ١٩٧ ]
-﵁- أنَّ رسولَ الله -ﷺ- قال: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرض شفاههمْ بمقاريضَ من نارٍ، قلْتُ: مَنْ هؤلاء يا جبْريل؟ قال: هؤلاء خطباء منْ أمَّتك، يأْمرون الناس بالبر، وينْسوْن أنْفسهمْ وهمْ يتْلون الْكتاب، أفلا يعْقلون» (^١).
وهذا العذاب لا يخص الخطباء فحسب؛ بل يعم كل آمرٍ وناهٍ يخالف قولُهُ فِعْلَهُ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معلوم في علم الأصول.
وما أحسن قول أبي الأسود الدؤلي:
يا أَيُّها الر جُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ … هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي … الضَّنَى كيما يَصحّ بِهِ وَأنتَ سَقيمُ
وَتَراكَ تُصلِحُ بالرشادِ عُقولَنا … أَبَدًا وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَديمُ
فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها … فَإِذا انْتَهَتْ عَنهُ فأنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيُهتَدى … بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ … عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ (^٢).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة (٨/ ٤٤٦)، وأحمد (٣/ ١٢٠)، وعبد بن حميد (١٢٢٢) وحسَّنَه البغوي في شرح السُّنة (٤١٥٩)، والألباني في صحيح الجامع (١٢٩)، مقال مقتبس من شبكة الألوكة، موافقة قول الخطيب عمله، الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل، تاريخ الإضافة: (١٨/ ١٠/ ١٤٣١ هـ - ٢٧/ ٩/ ٢٠١٠ م) بتصرف.
(٢) أبو الأسود الدؤلي: هو: ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي الكناني (١٦ ق. هـ. -٦٩ هـ)، من سادات التابعين وأعيانهم وفقهائهم وشعرائهم ومحدثيهم، ومن الدهاة حاضرِي الجواب، وهو كذلك نحويّ عالِم وضع علم النحو في اللغة العربية، وشكّل أحرف المصحف، وضع النقاط على الأحرف العربية، وُلِدَ قبل بعثة النبي محمد -ﷺ- وآمن به لكنه لم يره فهو معدود في طبقات التابعين، وصَحِب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي ولَّاه إمارة البصرة في خلافته، وشهد معه وقعة صفين والجمل ومحاربة الخوارج. ويُلقب بِلقب: ملك النحو، لوضعه علم النحو. أصيب آخر حياته= =بمرض الفالج الذي سبب له العرج، وتوفي في طاعون الجارف في البصرة سنة (٦٩ هـ/ ٦٨٨ م) في خلافة عبد الملك بن مروان وله من العمر (٨٥) سنة. اللباب (١/ ٤٣٠)، والإصابة (٢/ ٢٣٣)، وأنباء الرواة (١/ ٥٠)، وتاريخ دمشق لابن عساكر - حرف الظاء، وسير أعلام النبلاء (ص ٨٣، ٨٤، ٨٥)، وروضات الجنات (٤/ ٢)، وبهجة الآمال (٥/ ١)، وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٣٤٦)، وتهذيب التهذيب (١٢/ ١٣)، وتاريخ الإسلام للذهبي (ج ٥/ ٦)، وفهرست ابن النديم (٤٦)، والعقد الفريد (٤/ ٣٤)، ومرآة الجنان (١/ ٢٠٦)، ووفيات الأعيان (١/ ٥٣٥)، ورسالة الغفران (٤٠٠).
[ ١٩٨ ]