وسائل الإعلام: وهي مؤسسات اجتماعية تربوية إعلامية تكون في العادة مرئيةً، أو مسموعةً، أو مقروءة، وتُعد هذه الوسائل على اختلاف أنواعها من أهم الوسائط التربوية وأبرزها في عصرنا الحاضر، وأكثرها تأثيرًا على تربية وثقافة ووعي الإنسان؛ حيث تُقدم برامج مختلفة وثقافات متنوعة من خلال وسائلها الجماهيرية المختلفة التي تُخاطب جميع الفئات، ومختلف الأعمار، وتدخل كل بيت، وتصل إلى كل مكان.
وتتميز وسائل الإعلام بقدرتها الفائقة على جذب اهتمام الناس من مختلف الأعمار؛ والثقافات؛ والبيئات، كما تتميز بأن لها تأثيرًا قويًّا على الرأي العام في مختلف الظروف، وأن تأثيرها يصل إلى قطاعاتٍ عريضةٍ من فئات المجتمع؛ وهذا يعني أنه من المهم جدًّا استثمارها، والإفادة منها، وتعبيدها لله تعالى، والعمل على تسخيرها بشتى الطرق والكيفيات لخدمة أهداف وأغراض التربية الإسلامية؛ عن طريق التنسيق المستمر بين هذه الوسائل وغيرها من المؤسسات التربوية الأُخرى في المجتمع، وعن طريق إسناد مهمة الإشراف عليها لمن تتوافر فيه الكفاءة الدينية والخُلقية والعلمية والمهارية (^١).
ولا ريب أن الإعلام يؤدي دورًا كبيرًا وبارزًا في تشكيل خلق الإنسان
_________________
(١) أبو عرَّاد، مرجع سابق.
[ ٩٩ ]
وتوجيهه عمومًا والناشئة خصوصًا، ويختلف تأثيره باختلاف وسائله وطرائقه، ولا سيما في الزمن الحاضر حيث ازداد تأثيره بصورة لم يسبق لها مثيل، وذلك لتعدد وسائله وسبله وطرائقه، وللإعلام دور فعال في تربية الأفراد بوجه عام والصغار بوجه خاص. والعلاقة بين الإعلام والتربية علاقة قوية متبادلة؛ لذا يجب حسن استغلال وسائل الإعلام في غرس العقيدة الصحيحة والسلوك القويم والأخلاق الحميدة في نفوس الناشئة، ويزداد تأثير وسائل الإعلام على النشء بصفة خاصة؛ لأنها حين تركز على أحد الجوانب ينطبع ويترسخ هذا الجانب في عقول الصغار بحيث يصعب انتزاعه من أذهانهم في المستقبل.
وللإعلام بمختلف مؤسساته ومصادره دور في تنمية المسؤولية الاجتماعية لدى أفراد المجتمع كافة من خلال هدفه العام المتلخص في: (توجيه الأفراد عن طريق تزويدهم بالمعلومات والحقائق والأخبار لمساعدتهم في تكوين رأي محدد في واقعة معينة أو مشكلة محددة).
وللإعلام دور كبير في تعزيز مكانة الناشئة في المجتمع.
فعلى وسائل الإعلام أن تعمل على:
أولًا-غرس القيم والمبادئ والمفاهيم الإسلامية والتربوية في نفوس النشء.
ثانيًا- نشر وتعميق الانتماء للدين بين أفراد المجتمع عمومًا والناشئة خصوصًا.
ثالثًا- غرس الثقة الكاملة بمقومات الأمة الإسلامية وأنها خير أمة أخرجت للناس والإيمان بوحدتها على اختلاف أجناسها وألوانها وتباين ديارها، لترد بذلك الهجمة الشرسة من أعداء الملة على ثوابت الدين ومقوماته العقدية والأخلاقية.
[ ١٠٠ ]
رابعًا- تجسيد قيم الدين ومبادئه وإيضاحها والعمل على تثبيتها والمحافظة عليها.
خامسًا- المساهمة في التوعية العامة التي تمهد لتحقيق الأهداف والسياسات العامة في الأمور التربوية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والعمل على إيصالها بصورة تليق بمستوى الناشئة عقليًّا وفكريًّا.
سادسًا- محاولة ملء أوقات الفراغ ببرامج هادفة تعزز الانتماء للدين لدى الناشئة وتخاطب اهتماماتهم، وتهتم بإيقاظ هممهم للعمل الصالح.
سابعًا- توثيق العلاقة بين مؤسسات المجتمع فكريًّا وثقافيًّا حتى تصب روافد التربية كلها في مصب واحد، ولا يصبح بينها تنافر وتضاد.
ثامنًا- طرح القضايا والمشاكل التي تواجه الناشئة ومناقشتها وتقديم الحلول المناسبة، فهي بمثابة حلقة الوصل المكملة والمتممة لدور وأهداف روابط التربية مجتمعة.
تاسعًا- التغطية الإعلامية المتوازنة لجميع القضايا والأحداث التي تخص الناشئة والمجتمع وفق أسس إسلامية وتربوية.
عاشرًا- إبراز نماذج وقدوات صالحة للناشئة من خلال برامج إعلامية متنوعة تقص عليهم قصص الأنبياء والمرسلين -﵈-، وحياة الصحابة وأمهات المؤمنين -﵃-، وسير علماء وأبطال الإسلام.
[ ١٠١ ]
خامسًا: دور روافد التربية مجتمعة
الترابط والتعاضد بين دور الأسرة في الرعاية والتوجيه والتربية والتنشئة الحسنة للأبناء، ودور المسجد في متابعة وإتمام ما تقوم به الأسرة من دور بناء وفعال تجاه رعاية وتربية الأبناء وإتمام ما تعجز عنه الأسرة، ودور المدرسة في التربية والتعليم على نحو ما تقوم به الأسرة والمسجد له آثار حميدة، وكذلك وسائل الإعلام التي يتابعها الأبناء في المنزل أو في محيط المدرسة يجب تعبيدها لله ووضع برامج هادفة ونافعة ومتابعة بدقة تامة من جميع الجهات المعنية، ولذا يجب مد جسور التعاون بين هذه الروافد مجتمعة، وإيجاد جَوٍّ من الثقة والتفاهم والتعاون وتبادل التناصح ووجهات النظر، وذلك كله في سبيل تحقيق غاية حميدة ألا وهي تعبيد الناشئة لله -﷾-، واستقامتهم على دينه، كما بين الله سبحانه في محكم التنزيل فقال جل في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
والرقي بالأولاد قدمًا نحو مدارج العبودية للخالق العظيم جل في علاه، وبذلك يصبح الأبناء في ظل إطار منظومة تربوية متكاملة قادرين على البناء والعطاء لأمتهم الإسلامية ولمجتمعاتهم ولأسرهم.
وتحمل مؤسسات المجتمع على كاهلها مسئولية بناء الناشئة وتشكيلهم لأنَّ
[ ١٠٢ ]
التربية بمفهومها الشامل هي العملية التي يشترك في إحداثها وتفاعلاتها مؤسسات المجتمع ومنظماته المختلفة، والتي من بينها وأهمها (الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام).
قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤].
فكل عمل أنت مكلف به شرعًا أو التزمت بالقيام به وكان فيه مصلحة لك أو لغيرك فهو مسؤولية ينبغي عليك القيام بها على أحسن حال؛ فالمسؤولية فردية؛ لأن التكليف فردي والحساب كذلك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
وأخيرًا ليتم التوثيق والارتباط بين روافد التربية يجب مراعاة ما يلي:
أولًاـ وجوب اهتمام الأسرة بأبنائها ورعايتهم من جميع النواحي لأن البيت هو الأساس في عملية التربية، وأنه هو المصدر الأساسي لإمداد الطفل بالقيم وتزويده بالصفات الحميدة والأخلاق الصالحة الرشيدة، فعلى الوالدين الاهتمام بأبنائهم ومتابعتهم في البيت والمدرسة وربطهم بالمسجد منذ نعومة أظفارهم وتشجيعهم على أداء الصلاة فيه جماعة، وكذلك تحفيزهم على حفظ كتاب الله تعالى، وارتباطهم بالأنشطة المقامة فيه، كما أن المدرسة ذات دور مؤثر وفعال في التربية، حيث إن الناشئة يعايشون معلميهم وأقرانهم فترة طويلة، فيجب على الأسرة اختيار المدارس الطيبة والمحاضن الصالحة الآمنة لأبنائهم
[ ١٠٣ ]
مع متابعتهم بصفة مستديمة، وعلى القائمين على التعليم إصلاح المناهج الدراسية ومراجعتها بين الفينة والفينة، وإصلاح الأنشطة المدرسية وتوجيهها بالقدر الذي يحقق الهدف من التربية الإسلامية، وكذلك الاهتمام بتوجيه الوسائل الإعلامية المقدمة لهم وصبغها بالصبغة الشرعية لتصبح روافد التربية منظومة متكاملة تأخذ جميعها بيد الناشئة نحو الهدف المنشود، ألا وهو تربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة التي تعود على المجتمع بالخير والصلاح.
ثانيًا - أن تكون المدرسة مؤسسة رائدة في تعميم التربية والمعرفة، وتؤدي رسالتها السامية في إيجاد المسلم الصالح، وذلك بأن يكون هناك تفاعل إيجابي بين المدرسة والمجتمع، وأن تستقي المدرسة مناهجها ومقرراتها ونشاطها من صميم عقيدة الأمة وتاريخها وأهدافها وآلامها وآمالها …
ثالثًا - من واجب المسلمين أن يعيدوا إحياء رسالة المسجد ومهابته ورسالته كي يبقى مصدر نور وإرشاد وإشعاع علمي وتربوي وثقافي واجتماعي، لأن المسجد مؤسسة ذات شأن عظيم، وله دور كبير وهام وفعَّال في إصلاح الناشئة وتوجيههم.
رابعًا - ترشيد أجهزة الإعلام ووسائله، لتكون سبيلًا إلى غرس القيم الإسلامية السامية والفاضلة، ووضع برامج للتوعية الاجتماعية والنفسية والتعليمية والأخلاقية، في ضوء خطط علمية وتربوية وثقافية واجتماعية مدروسة من قِبَلِ لجان مختصة وموثوقة ومؤتمنة على هذا الأمر الجلل، وذلك وفق منهج الشريعة الإسلامية السمحة.
وكذلك الحذر والتحذير من الاستسلام لكل ما يقدمه الإعلام الغربي الكافر
[ ١٠٤ ]
الحاقد للناشئة من نشر العقائد الباطلة والسحر والشعوذة ونشر الرذيلة والفواحش والفساد والانحراف والجريمة بكل صورها وأشكالها في صور برامج تعليمية أو ترفيهية أو ألعاب أطفال أو برامج ثقافية أو غير ذلك من المسميات.
خامسًا - بناء الناشئة في المجتمع الإسلامي بناءً صالحًا من النواحي العلمية والاجتماعية والخلقية والروحية، والإكثار من الحديث عن ذلك في وسائل الإعلام المختلفة: ليصبح للإعلام دور قويٌّ وفعَّال في نشر الوعي بين طبقات المجتمع كافة على جميع مستويات ثقافاتهم وإدراكهم، مساهمًا بذلك في حل قضايا المجتمع بتقديم النصح والإرشادات والتوجيهات لكل طبقات المجتمع بما فيهم الناشئة.
وعلى الرغم من تعدد أنواع هذه المؤسسات الاجتماعية وتعدد وظائفها وواجباتها إلا أن علاقة الناشئ المسلم بالمؤسسات التربوية في المجتمع تنطلق من كون التربية الإسلامية عمليةً تمتاز بخاصية الشمول والاستمرارية والتجدد؛ إذ إنه لا حدَّ نهائيًّا لتربية الناشئ المسلم.
والخلاصة: أن للمؤسسات التربوية المختلفة في المجتمع المسلم أهميةً بالغةً؛ وأثرًا بارزًا في العملية التربوية بعامة والتعليمية بخاصة؛ الأمر الذي يفرض على المهتمين في الميدان التربوي والتعليمي مزيدًا من العناية والاهتمام بها، والحرص على أن تكون مُتميزة في المجتمع المسلم، ومُختلفًة عن مثيلاتها في المجتمعات الكافرة؛ نظرًا لكون المجتمع المسلم ينفرد عن غيره من المجتمعات الكافرة بمصادره، وأهدافه وغاياته، وخصائصه التي تفرض على
[ ١٠٥ ]
مؤسساته التربوية المُختلفة في المجتمع المُسلم أن تكون فريدةً هي الأُخرى، ومُتميزةً، وقادرةً على تحقيق ما هو مرجوٌّ منها؛ لأنها هي المسؤولة عن تربية الناشئ المسلم، وإعداده لممارسة أدواره ووظائفه الاجتماعية المختلفة في الحياة، لذا فإنه من الواجب الحتمي التنسيق والترابط والتكامل بين هذه المؤسسات لتؤدي دورها التربوي الرائد في إعداد جيل مؤهل للاستخلاف في الأرض وحمل مشعل النور والهداية للعالمين.
والحمد لله رب العالمين (^١).
_________________
(١) أبو عراد -مرجع سابق- بتصرف.
[ ١٠٦ ]