تعريف حسن الخلق:
عرّفه مسكويه (^٤) بأنه: «حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويّة»، قال: «وهذه الحال منها ما يكون طبيعيًّا من أصل المزاج، ومنها ما يكون
_________________
(١) ينظر: تهذيب مدارج السَّالكين (ص ٥٢٩).
(٢) ينظر: مدارج السَّالكين (٢/ ١٠٣)، وينظر: تهذيبه (ص ٥٢٩).
(٣) ينظر: جامع العلوم والحكم (١٩٣) بتصرّف يسير.
(٤) هو: أحمد بن محمد بن يعقوب اشتغل بالفلسفة والمنطق، أصله من الري توفي سنة (٤٢١ هـ). الأعلام (جـ ١) (ص ٢١١).
[ ١٨٩ ]
مستفادًا بالعادة والتدريب» (^١).
وعرفه الغزالي فقال: «الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا سميت تلك الهيئة خلقًا حسنًا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقًا سيئًا» (^٢).
وعرفه ابن منظور فقال: «والخُلُق: بضم اللام وسكونها، وهو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصَّة بها، بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلَّقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثرَ مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة؛ ولهذا تكرَّرت الأحاديث في مَدْح حُسْن الخُلُق في غير موضِعٍ» (^٣).
فإن مكارم الأخلاق صفة من صفات الأنبياء والصديقين والصالحين، بها تُنال الدرجاتُ، وتُرفع المقاماتُ، وقد خص اللّه -جل وعلا- نبيه محمدًا -ﷺ- بآية جمعت له محامد الأخلاق ومحاسن الآداب، فقال -جل وعلا-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
_________________
(١) تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تأليف: ابن مسكويه أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب، دراسة وتحقيق: عماد الهلالي، الناشر: طليعة النور، الطبعة: الأولى (١٤٢٦ هـ) (ص ٤١).
(٢) الغزالي إحياء علوم الدين (٣/ ٥٣) دار المعرفة، بيروت (١٤٠٢ هـ).
(٣) لسان العرب. ابن منظور (١٠: ٨٦، ٨٧)، دار صادر - بيروت.
[ ١٩٠ ]
قال الإمام الطبري: «يقول - تعالى ذِكْره - لنبيِّه محمد -ﷺ-: وإنك يا محمد، لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدَّبه به، وهو الإسلام وشرائعه، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل»، ثم نقَل عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد والضحاك قولهم في تفسير: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]؛ أي: دين عظيم، وهو الإسلام» (^١).
- وقال الماوردي (^٢): «أي: إنك على طَبْع كريم» (^٣).
وحُسْن الخُلُق هو التخلق بالأخلاق العظام، والتأدب بآداب الإسلام التي أدَّب الله بها عبادَه الكرام، كما جاء وصفهم في كتاب ربنا العلام، وفي سنة رسولنا -ﷺ- سيد الأنام.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٩: ٢٤، ٢٥)، وينظر: تفسير القرطبي (١٨: ٢٧٧).
(٢) الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، الماوردي، الشافعي، صاحب التصانيف، حدّث عن الحسن بن علي الجبلي صاحب أبي خليفة الجمحي، وعن محمد بن عدي المنقري، ومحمد بن معلى، وجعفر بن محمد بن الفضل. وحدث عنه أبو بكر الخطيب ووثقه، وقال: مات في ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة وقد بلغ ستًا وثمانين سنة، وولي القضاء ببلدان شتى، ثم سكن بغداد. سير أعلام النبلاء (ص: ٦٥/ ١٨). عقيدته: جاء في كتاب: القول المختصر المبين في مناهج المفسرين للنجدي: مؤول أشعري، شحن كتابه بالتأويل، ويختار في بعض المواضع من كتابه قول المعتزلة، وما بنوه على أصولهم الفاسدة، ويوافقهم في القدر؛ ولذا قال عنه الذهبي في «الميزان»: «صدوق في نفسه، لكنه معتزلي» انتهى. (ص ١٢).
(٣) تفسير القرطبي (١٨: ٢٢٧).
[ ١٩١ ]
قال -ﷺ-: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (^١).
«قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة وبمعنى اللطف والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق» (^٢).
قال ابن دقيق العيد: «قوله -ﷺ-: «البِرُّ حسن الخلق»، يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر كما قال -ﷺ-: «الحج عرفة» (^٣) انتهى.
فكما أن الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج، فكذلك حسن الخلق أعظم خصال البر.
أما البر:
فهو الذي يبرّ فاعله ويلحقه بالأبرار، وهم المطيعون لله -﷿-، والمراد بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة والرفق في المحاولة والعدل في الأحكام والبذل في الإحسان» (^٤)، قال ابن رسلان (^٥): «الخُلُق: عبارة عن أوصاف الإنسان التي
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٠) (برقم: ٢٥٥٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١١)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية (١٣٩٢ هـ).
(٣) أخرجه الترمذي (٣/ ٢٣٧) (برقم: ٨٨٩)، وسنن ابن ماجه (٢/ ١٠٠٣) (برقم: ٣٠١٥)، قال الألباني: صحيح. ينظر: حديث (رقم: ٣١٧٢) في صحيح الجامع.
(٤) شرح الأربعين النووية، ابن دقيق العيد (١/ ٧١).
(٥) ابن رسلان، أو ابن أرسلان (٧٧٥ هـ - ٨٤٤ هـ) أحمد بن حسين بن حسن بن علي بن أرسلان المقدسي، الشافعيّ، أبو العباس شهاب الدين الرملي، ولد برَمْلَة فلسطين سنة (٧٧٥ هـ)، وانتقل في كبره إلى القدس، فتوفي بها سنة (٨٤٤ هـ). وكان زاهدًا متهجدًا، = =من تصانيفه: شرح سنن أبي داود، والبخاري، وعلّق على الشفا، وشرح مختصر ابن الحاجب. يظهر أنه كان أشعري العقيدة، صوفي المنهج والسلوك، (الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها). وينظر ترجمته في: شذرات الذهب (٩/ ٣٦٢)، طبعة دار ابن كثير، والبدر الطالع (١/ ٤٩) طبعة دار المعرفة، والأعلام للزركلي (١/ ١١٧).
[ ١٩٢ ]
يُعامِل بها غيره» (^١).
وقال أبو عثمان الجاحظ (٢): «إنَّ الخُلُقَ: هو حال النفس، بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار، والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعًا، وفي بعضهم لا يكون إلا بالرياضة والاجتهاد، كالسخاء قد يوجد في كثير من الناس من غير رياضة ولا تعلُّم، وكالشجاعة والحلم والعفة والعدل وغير ذلك من الأخلاق المحمودة» (^٢).
وهذه المعاني في حقيقتها لا تُخالِف الوضعَ اللُّغوي لكلمة الخُلُق، وإن صُبِغت بمعنى شرعي حين يعبِّر حُسْن الخُلُق عن الالتزام بالآداب الشرعية الصادرة عن الأحكام القرآنية والتعاليم النبوية خاصة.
يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
هذه آية عامة في الحض على مكارم الأخلاق والحثّ عليها مع عموم البشر، فينبغي للمربي القدوة أن يكون قوله للناس جميًعا حسنًا لينًا، وأن يكون منبسط الوجه منطلق المحيّا، فحين يتمثل أخلاق الإسلام في تعامله، فإنه أدعى لمحبته والسعي في تحقيق التأسي والاقتداء به مع من يأمل فيهم التأسي والاقتداء به،
_________________
(١) عون المعبود. العظيم آبادي (١٢: ٣٤٣) دار الفكر - بيروت.
(٢) تهذيب الأخلاق (ص ١٢).
[ ١٩٣ ]
وهذه السمة الحسنة يجب أن تتجلى بوضوح في علاقة المربي القدوة في تعامله مع الناس جميعًا.