هو قول ابن عباس، والحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضَّحَّاك بن مزاحم، وابن زيد، وأكثر المفسرين (^٣).
- وقال ابن سعدي (^٤) -﵀-: «جميع ما أوجبه الله على عبده أمانة، على العبد
_________________
(١) تفسير البغوي (ص: ٣٨٠).
(٢) أضواء البيان (٣٦/ ١٣٩).
(٣) راجع: تفسير الطبري (٢٠/ ٣٣٦ - ٣٤٠) -تفسير ابن كثير (٦/ ٤٨٨ - ٤٨٩) - تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣) -فتح القديرللشوكاني (٤/ ٤٣٧).
(٤) هو الشيخ العلامة أبوعبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي، من بني تميم، ولد في عنيزة في القصيم في ١٢/ ١/ ١٣٠٧ هـ، نشأ الشيخ يتيمًا، = = ولكنه نشأ نشأة صالحة وقد أثار الإعجاب فقد اشتهر منذ حداثته بفطنته، وذكائه، ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله، فحفظ القرآن وعمره إحدى عشرة سنة ثم اشتغل بالعلم على يد علماء بلده فاجتهد في طلب العلم وجَدّ حتى نال الحظ الأوفر من كل فن من فنون العلم ولما بلغ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة جلس للتدريس فكان يَتَعلم ويُعلِّم، وبعد عمر دام تسعًا وستين سنة قضاها في التعلم والتعليم والتأليف وخدمة الأمة الإسلامية، وافاه الأجل المحتوم فتوفي سنة ١٣٧٦ هـ، في مدينة عنيزة من بلاد القصيم، بالمملكة العربية السعودية. وللاستزادة، ينظر مصادر هذه الترجمة في:
(٥) روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين للشيخ محمد بن عثمان القاضي (١/ ٢١٩).
(٦) علماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله البسام (٣/ ٢١٨).
(٧) مشاهير علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ (ص ٢٥٦).
(٨) مقدمة كتاب الرياض الناضرة لابن سعدي بقلم أحد تلاميذ الشيخ.
(٩) ابن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة، رسالة ماجستير إعداد د/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد (من ص ١٣ إلى ٦١).
[ ١٢ ]
حفظها بالقيام التام بها، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين، كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما، فعلى العبد مراعاة الأمرين، وأداء الأمانتين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]» انتهى (^١).
- والخلاصة: أن الأمانة المذكورة في الآية الكريمة هي التكاليف الشرعية، سواء أكانت من حقوق الله تعالى، أم من حقوق المخلوقين، فمن أدى تلك الحقوق أثابه الله وجزاه الجزاء الأوفى، ومن فرط فيها استحق جزاء ما قدمت
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٥٤٧).
[ ١٣ ]
يداه كما قال أحكم الحاكمين: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ [الحج: ١٠].
كانت هذه المقدمة المهمة جدًّا لبيان عظم شأن أمانة تربية الأبناء ولا سيما في الصغر، ولا سيما في زمن كثرت فيه الشبهات، وانتشرت واستعرت فيه الشهوات، ذلك لينتبه الآباء والمربون لعظم الأمر وجسامة المسؤولية، فإنَّ تخلي الوالدين عن تلك المسؤولية العظيمة يلحقهما إثمًا مبينًا، ووبالًا عظيمًا وخسارة جسيمة في الدنيا والآخرة، بسبب خيانة الأمانة التي وضعها الله في أيديهم، وتضييع الوديعة التي كلفهم الله تعالى بحفظها، فمسؤولية تربية الأبناء أمانة حِمْلُها جد ثقيل وشأنها جد عظيم يترتب على خيانتها والإخلال بها حساب جد عسير: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦].
لأنها تحَمُّل أمانة الفطرة الربانية بيضاء نقية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
- عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة -﵁- واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]» (^١).
ولقد ذكر الله تعالى لنا في كتابه المجيد وصايا لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
_________________
(١) صحيح مسلم (جـ ٤/ ص ٢٠٤٧)، وصحيح البخاري (جـ ١/ ص ٤٦٥).
[ ١٤ ]
عَظِيمٌ (١٣)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩].
وهذه الوصايا تعد منهجًا تربويًّا إيمانيًّا حكيمًا لتربية الأبناء تربية إسلامية شاملة للدين كله، أوصى لقمان فيها ولده بنبذ الشرك المتضمن تحقيق التوحيد أولًا وهو أساس الملة، ثم بالصلاة وهي عمود الدين ثانيًا، ثم بمكارم الأخلاق وهي جماع الخير كله ثالثًا، فجمع له أصل الإيمان وأم العبادات وأساس مكارم الأخلاق والمعاملات.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
- يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم: ٦] يقول: علموا بعضكم بعضًا ما تقون به من تعلمونه النار وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله واعملوا بطاعة الله. وقوله: ﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار» (^١).
وقال مقاتل: «ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه».
وقال الكيا الهراسي: «فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. ونحو قوله تعالى للنبي -ﷺ-: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فبدأ بالأقربين لأنهم أولى الناس بخيره ورحمته وبره وإحسانه».
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٨/ ١٦٥).
[ ١٥ ]