الشريعة هي الدين، وقد اعتنت تكاليفها بحفظه من جانب الوجود ومن جانب العدم؛ فمن جانب الوجود أوجب الله على كل مسلم العمل بأركان هذا الدين واتباع الرسول -ﷺ-، وذلك كي يبقى الدين حيّا في النفوس؛ لأنَّ دينًا لا شرائع فيه تضمحل حياته في النفوس مع تقادم العهد وطول الأمد؛ وقد بين الله تعالى أهمية الشرائع في إحياء الدين في النفوس بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
وكذلك جاءت التكاليف بحفظ الدين من جانب العدم؛ كالنهي عن كل ما يخل بجناب التوحيد ويوقع في الشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية [الأنعام ١٥١].
وشَرْعِ العقوبات الزواجر لمن ترك ركنًا من أركان الإسلام؛ والحكم بقتل المرتد.
_________________
(١) ينظر: الموافقات (٢/ ٨).
[ ١٢٥ ]
عن مَسْرُوقٍ، عن عبد اللَّهِ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنِّي رسول اللهِ إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (^١).
والأمر بجهاد الكافرين وفق الضوابط التي استنبطها العلماء من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]، ومن الشرائع ما قصد به حفظ الدين من الجانبين؛ بل وحفظ باقي الضروريات؛ كإيجاب اجتماع المسلمين على أمير، كما جاء عن نافع قال: جاء عبد اللَّهِ بن عُمَرَ إلى عبد اللَّهِ بن مُطِيعٍ حين كان من أَمْرِ الْحَرَّةِ ما كان زَمَنَ يَزِيدَ بن مُعَاوِيَةَ، فقال: اطْرَحُوا لِأَبِي عبد الرحمن وِسَادَةً، فقال: إني لم آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سمعت رَسُولَ اللَّه -ﷺ- يَقُولُهُ، سمعت رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يقول: «من خَلَعَ يَدًا من طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يوم الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ له، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (^٢).
وأمر المسلمين بطاعة الأمراء في غير معصية الله -﷾- كما في قول الباري جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الديات: باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ …﴾. [المائدة: ٤٥] (٦٨٧٨)، ومسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات: باب ما يباح به دم المسلم (١٦٧٦)، واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (١٨٥١) من حديث عبد الله بن عمر -﵄-.
[ ١٢٦ ]
[النساء: ٥٩]، وذلك لما في إقامة الأمراء وطاعتهم من حفظ الدين بإقامة شعائره وحفظه بتحقيق الأمن الذي لا يستقيم أداء الشعائر إلا به، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله من المنافع.