وكذلك النفس يكون حفظها من جانب الوجود ومن جانب العدم.
أما من جانب الوجود:
فمثل ما جاء في الشريعة من الأمر بالمحافظة على النفس بالأكل والشرب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]، وعدم الإلقاء بها في التهلكة كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وأمَّا من جانب العدم.
فكتحريم الاعتداء عليها، وسد الذرائع المؤدية إلى القتل، وشرع القصاص لما فيه من الزجر عن انتهاك الأنفس وإشاعة القتل؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
ولعل ما جاء من استحباب العفو عن القاتل يسير في سياق حفظ الشريعة للنفوس أيضًا، وذلك لأن النفس وإن كانت جانية إلا أن في استحباب العفو عنها إشارة إلى أن الأصل في الشريعة حفظ النفوس واستبقاؤها؛ وعدم تشوف الشارع إلى إزهاقها، وقد بَيَّنَ المولى هذا المعنى بوصفه تخفيفًا ورحمةً، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى
[ ١٢٧ ]
بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
ومما ورد في حفظ النفس قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
ووجه الاستدلال من ناحيتين:
الأولى: صريح النص في النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
الثانية: ما يفهم من شرع قتل النفس التي حرم الله بالحق، فإن في قتل النفس بالحق حفظًا للنفس في باب القصاص، وحفظًا للدين في باب الردة، وحفظًا للنسل في باب الرجم، وهذا هو المقصود من حفظ النفس، ويشمل حفظ جميع الأنفس المعصومة بالإسلام أو الذمة أو الأمان (^١).
ومن النصوص الواردة في تحريم الاعتداء على النفس: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
* وعن مَسْرُوقٍ، عن عبد اللَّهِ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنِّي رسول اللهِ إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (^٢).
_________________
(١) روضة الطالبين (٩/ ١٤٨).
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الديات: باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ …﴾. [المائدة: ٤٥] (٦٨٧٨)، = =ومسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات: باب ما يباح به دم المسلم (١٦٧٦)، واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.
[ ١٢٨ ]
* وقوله -ﷺ- في أكبر اجتماع للناس يوم عرفة في حجة الوداع: «فإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (^١).
* وقوله -ﷺ-: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» (^٢).
* وقوله -ﷺ-: «لَن يَزَال المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (^٣).
* وقوله -ﷺ-: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (^٤).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الفتن: باب قول النبي -ﷺ-: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٧٠٧٨) واللفظ له، ومسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات: باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة -﵁-.
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الديات: باب التغليظ في قتل مسلم ظلمًا (٢٦١٩)، من حديث البراء بن عازب -﵁-، قال ابن الملقن في البدر المنير (٨/ ٣٤٧): «صحيح»، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: «إسناده صحيح ورجاله موثقون»، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب. صحيح لغيره (٢٤٣٨)، وصحيح الجامع، (٥٠٧٨)، وصحيح ابن ماجه (٢١٣٤).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. [النساء: ٩٣] (٦٨٦٢)، من حديث ابن عمر -﵄-.
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق (٦٨٨٢)، من حديث ابن عباس -﵄-
[ ١٢٩ ]
* وقال -ﷺ-: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» (^١).
* وقال -ﷺ-: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٢).
* وقال ابن عمر -﵄-: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها؛ سفك الدم الحرام بغير حله» (^٣).
ومن ذلك تحريم قتل المعَاهَدِين:
فقد بلغ من محافظة الشريعة الإسلامية على النفوس والوفاء بالعهود أن حرمت قتل المعاهد، وهو الذي له عهد مع المسلمين بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم، إلا أن ينقض العهد فيكون حلال الدم، فيحل للسلطان قتله، قال -ﷺ-: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» (^٤).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. [المائدة: ٣٢] (٦٨٧٤، ٧٠٧٠، ٧٠٧١)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب: قول النبي -ﷺ-: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (٩٨)، من حديث عبد الله بن عمر -﵄-.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (٤٨، ٦٠٤٤، ٧٠٧٦)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي -ﷺ-: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٦٤)، من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. [النساء: ٩٣] (٦٨٦٣) موقوفًا.
(٤) أخرجه البخاري: كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم (٣١٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-.
[ ١٣٠ ]