ومما ورد في حفظ النسل: قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ [الأنعام: ١٥١]، ومن أعظم الفواحش الزنا الذي وصفه الله تعالى بأنه فاحشة كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
ولو لم يرد في ذلك إلا هذه الآية لكان كافيًا.
كيف وقد قرنه الله بالشرك وقتل النفس المعصومة في كتابه كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨].
وأوجب الله فيه الحد: من الجلد إن كان الزاني بكرًا، أو الرجم إن كان الزاني محصنًا، وغاية ذلك الموت، وما فدي بالضروري -وهو النفس- أولى أن يكون ضروريًّا، ولهذا حفظ الشارع النسل من جانبين:
من جانب الوجود:
لقد حفظ الشارع هذه الضرورة من جانب الوجود فأمر بالنكاح وحض عليه، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢].
وقال -ﷺ-: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، من اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ،
[ ١٣١ ]
وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فإنه له وِجَاءٌ» (^١).
ومن جانب العدم:
ولقد حفظ الشارع هذه الضرورة من جانب العدم بتحريم كل ما يؤدي إلى ضياع النسل وانتهاك الأعراض، وفرض العقوبات الصارمة عليها، فكانت عقوبة الزنا من أشد العقوبات في الإسلام قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩].
وقال -ﷺ-: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قد جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (^٢).
وكثيرًا ما يقرن في القرآن والسنة بين النهي عن قتل النفس والزنا والشرك بالله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨].
وكما في حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قلت: ثم أي؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب قول النبي -ﷺ-: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج …» (٥٠٦٥، ٥٠٦٦)، ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه …
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الحدود، باب حد الزنا (١٦٩٠)، من حديث عبادة بن الصامت -﵁-.
[ ١٣٢ ]
خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قلت: ثم أي؟ قال: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» (^١).
عن مَسْرُوقٍ، عن عبد اللَّهِ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنِّي رسول اللهِ إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «ولمَّا كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس، من إفساد كل منهم امرأة صاحبه، وبنته، وأخته، وأمه، وفي ذلك خراب العالم: كانت تلي مفسدة القتل في الكبَر، ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه، ورسوله -ﷺ- في سنته، قال الإمام أحمد -﵀-: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئًا أعظم من الزنا. وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فقرنَ الزنا بالشرك وقتل النفس،
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] (٤٤٧٧، ٤٧٦١، ٦٠٠١، ٦٨١١، ٧٥٢٠،)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده (٨٦).
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ …﴾. [المائدة: ٤٥] (٦٨٧٨)، ومسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم (١٦٧٦)، واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.
[ ١٣٣ ]
وجعل جزاء ذلك: الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة، والإيمان، والعمل الصالح، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فأخبر عن فُحشه في نفسه وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول، حتى عند كثير من الحيوانات» (^١).
ومن أجل حفظ الأعراض والنسل حرم الإسلام كل الممارسات التي تنحرف بالفطرة السوية؛ لما في هذه الانحرافات من خطر على وجود النوع الإنساني.