من أَجَلِّ وأجلى مظاهر «الوسطية»، التي تميزت بها رسالة الإسلام، وبالتالي يتميز بها المجتمع المسلم عن غيره: التوازن بين الثبات والتطور، أو (الثبات والمرونة).
فهو يجمع بينهما في تناسق مبدع، واضعًا كُلًّا منهما في موضعه الصحيح.
الثبات فيما يجب أن يخلد ويبقى، والمرونة فيما ينبغي أن يتغير ويتطور دون المساس بالثوابت الشرعية أو الأصول المرعية؛ بل تمشيًا مع القواعد الكلية للشريعة الإسلامية وعملًا بأصولها وتحقيقًا لصلاحها لكل زمان ومكان، وهذه
[ ٣٦ ]
الخصيصة البارزة لرسالة الإسلام، لا توجد في شريعة سماوية ولا وضعية، ولكن الشريعة الإسلامية، التي ختم الله بها الشرائع الربانية والرسالات السماوية، أودع الله سبحانه فيها عنصر الثبات والخلود، وعنصر المرونة والتطور معًا، وهذا من بدائع الإعجاز في هذه الشريعة الربانية، وآية من آياته، عمومها وخلودها، وبقائها وصلاحها لكل زمان ومكان.
ونستطيع أن نحدد مجال الثبات، ومجال المرونة، في شريعة الإسلام ورسالته الشاملة الخالدة، فنقول: إن الثبات يكون على الأهداف والغايات، والمرونة تكون في الوسائل والأساليب، الثبات يكون على الأصول والكليات، والمرونة تكون في الفروع والجزئيات.
الثبات يكون على القيم الدينية والأخلاقية، والمرونة تكون في الشؤون الدنيوية والعلمية.
دلائل الثبات والمرونة في مصادر الإسلام وأحكامه.
إن للثبات والمرونة مظاهر ودلائل شتى، نجدها في مصادر الإسلام، وشريعته وتاريخه، يتجلى هذا الثبات في «المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع» من كتاب الله، وسنة رسوله -ﷺ-، فالقرآن الكريم هو المصدر والأصل الأول للشريعة الإسلامية، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن الكريم، وهي المصدر الثاني، وكلاهما مصدر إلهي محفوظ، لا يسع مسلمًا الإعراض عنه، قال -﷾-: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] والآيات الكريمة في هذا الصدد كثيرة ومعلومة.
[ ٣٧ ]
وتتجلى المرونة في «المصادر الاجتهادية» التي اختلف فقهاء الأمة في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق ومقل ومكثر، مثل: الإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وأقوال الصحابة، وشرع من قبلنا، وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستنباط.
وفي أحكام الشريعة نجدها تنقسم إلى قسمين بارزين:
أ- قسم يمثل الثبات والخلود.
ب- وقسم يمثل المرونة والتطور.
نجد الثبات يتمثل في عقائد الإيمان الأساسية الخمس، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهي التي ذكرها الله -﷾- في غير موضع من كتابه المجيد، كقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقوله جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]، وفي أركان الإسلام العملية الخمسة من الشهادتين وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وهي التي صح عن الرسول -ﷺ- أن الإسلام بُني عليها.
وفي المحرمات اليقينية من السحر، وقتل النفس، والزنى، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والتولي يوم الزحف والغصب والسرقة والغيبة والنميمة وغيرها مما يثبت بقطعي القرآن والسنة.
وفي أمهات الفضائل من الصدق، والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد،
[ ٣٨ ]
والحياء، وغيرها من مكارم الأخلاق التي اعتبرت في القرآن والسنة من شعب الإيمان.
وفي شرائع الإسلام القطعية في شؤون الزواج، والطلاق، والميراث والحدود، والقصاص، ونحوها من نظم الإسلام التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة فهذه الأمور ثابتة، تزول الجبال ولا تزول.
الثبات والمرونة في هدي القرآن: والذي يتدبر القرآن الكريم، يجد في آياته الكريمة دلائل جمة، على هذه الخصيصة البارزة، من خصائص الأمة المسلمة، وهي: الجمع بين الثبات والمرونة جمعًا متوازنًا عادلًا.
وإذا كان بالمثال يتضح المقال، فلا بأس أن نذكر هنا بعض الأمثلة التي توضح ما قيل: يتمثل الثبات في مثل قوله تعالى في وصف مجتمع المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وفي قوله لرسوله -ﷺ-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فلا يجوز لحاكم، ولا لمجتمع، أن يلغي الشورى من حياته السياسية والاجتماعية، ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون، بالتسلط والجبروت.
وتتمثل المرونة، في عدم تحديد شكل معين للشورى، يلتزم به الناس في كل زمان وفي كل مكان فيتضرر المجتمع بهذا التقييد الأبدي، إذا تغيرت الظروف بتغير البيئات أو الأعصار أو الأحوال، فيستطيع المؤمنون في كل عصر أن ينفذوا ما أمر الله به من الشورى بالصورة التي تناسب حالهم وأوضاعهم، وتلائم موقعهم من التطور، دون أي قيد يلزمهم بشكل جامد.
[ ٣٩ ]
ب- يتمثل الثبات في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
فأوجب التقيد بالعدل والالتزام بكل ما أنزل الله، والحذر من اتباع الأهواء، وكل هذا مما لا مجال للتساهل فيه، فهو يمثل جانب الثبات قطعًا في مجال الحكم والقضاء.
وتتمثل المرونة في عدم الالتزام بشكل معين للقضاء والتقاضي، وهل يكون من درجة أو أكثر؟ وهل يسير على أسلوب القاضي المفرد أم على أسلوب المحكمة الجماعية؟ وهل يكون هناك محكمة جنايات وأخرى للمدنيات. إلخ، كل هذا متروك لاجتهاد أولي الأمر، وأهل الحل والعقد في مثل هذه الأمور، وليس للشارع قصد فيه إلا إقامة العدل، ورفع الظلم، وتحقيق المصلحة، ودرء المفسدة.
لقد اهتم الشارع بالنص على المبدأ والهدف، ولكنه لم يعتن بالنص على الوسيلة والأسلوب، وذلك ليدع الفرصة، ويفسح الطريق للإنسان كي يختار لنفسه الأسلوب المناسب، والصورة الملائمة لزمنه وبيئته، ووضعه وحالته.
الثبات والمرونة في الهدي النبوي.
وإذا تأملنا في السنة المطهرة - قولًا وفعلًا وتقريرًا - وجدناها حافلة بشتى الأمثلة والدلائل التي يتمثل فيها الثبات والمرونة جنبًا إلى جنب.
[ ٤٠ ]
(أ) يتمثل الثبات في رفضه -ﷺ- التهاون أو التنازل في كل ما يتصل بتبليغ الوحي أو يتعلق بكليات الدين، وقيمه، وأسسه العقائدية والأخلاقية.
ومهما حاول المحاولون أن يثنوا عنانه عن شيء من ذلك بالمساومات، أو التهديدات، أو غير ذلك من أنواع التأثير على النفس البشرية، فموقفه هو الرفض الحاسم، الذي علمه إياه ربه وأمره به في مواقف شتى، فحين عرض عليه المشركون أن يلتقوا في منتصف الطريق، فيقبل شيئًا من عبادتهم ويقبلوا شيئًا من عبادته، لو يعبد آلهتهم مدة، ويعبدون إلهه مدة كان الجواب الحاسم يحمله الوحي الصادق في سورة قطعت كل المساومات وحسمت كل المفاوضات، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦].
ولما تلا عليهم آيات الله بينات، منكرة عليهم شركهم وعنادهم، ناعية ضلالهم وجحودهم، قالوا له -ﷺ-: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]، فكان الرد القاطع تلقينًا من الله تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٥، ١٦].
وهكذا تعلم -ﷺ- من وحي الله: أن لا تنازل ولا تساهل في أمور العقيدة وما يتصل بها.
وفي مقابل ذلك، نجد مرونة واسعة في مواقف السياسة ومواجهة الأعداء، بما
[ ٤١ ]
يتطلبه الموقف المعين، من حركة ووعي وتقدير لكل الجوانب والملابسات، دون تزمت أو تشنج أو جمود، نجده -ﷺ- في يوم الأحزاب مثلًا يأخذ برأي (سلمان) -﵁- في حفر الخندق حول المدينة، ويشاور بعض رؤساء الأنصار في إمكان إعطاء بعض المهاجمين مع قريش جزءًا من ثمار المدينة، ليردهم ويفرقهم عن حلفائهم، كسبًا للوقت إلى أن يتغير الموقف، ويقول لنعيم بن مسعود الأشجعي -﵁- وقد أسلم، وأراد الانضمام إلى صفوف المسلمين: «إنما أنت رجل واحد، فخذِّل عنا ما استطعت»، فيقوم الرجل بدور له شأنه في التفريق بين قريش وغطفان ويهود بني قريظة (^١)، وفي يوم الحديبية تتجلى المرونة النبوية بأروع صورها.
* تتجلى في قوله ذلك اليوم: «والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» (^٢).
* وفي قبوله -ﷺ- أن يكتب في عقد الصلح: «باسمك اللهم» بدلًا من «بسم الله الرحمن الرحيم» وهي تسمية رفضتها قريش.
* وفي قبوله -ﷺ- أن يمحو كلمة «رسول الله» بعد اسمه الكريم، على حين رفض (علي) -﵁- أن يمحوها بعد كتابتها (^٣).
* وفي قبوله من الشروط ما في ظاهره إجحاف بالمسلمين، وإن كان في عاقبته
_________________
(١) الألباني، تخريج فقه السيرة (٣٠٥) هذه القصة بدون إسناد، لكن قوله -ﷺ-: «الحرب خدعة» صحيح البخاري: كتاب الجهاد (٢٨٦٤).
(٢) البخاري (٢٧٣١).
(٣) البخاري (٢٧٣١).
[ ٤٢ ]
الخير كل الخير، والسر في هذه المرونة هنا، والتشدد في المواقف السابقة: أن المواقف الأولى تتعلق بالتنازل عن العقيدة والمبدأ، فلم يقبل فيها أي مساومة أو تساهل، ولم يتنازل قيد أنملة عن دعوته.
أما المواقف الأخيرة فهي تتعلق ببيان المرونة في الفقه الإسلامي، ومن هذا وذاك يتبين أن الفقه الإسلامي يجمع بين خاصتي الثبات والتطور.
ولا عجب بعد ما ذكرنا من هدي القرآن الكريم وسنة الرسول -ﷺ-، ومواقف الصحابة -﵃-، من الثبات والمرونة؛ أن نجد الفقه الإسلامي بمختلف مدارسه ومذاهبه يسير في نفس هذا الاتجاه ثابتًا على الأصول والكليات، مرنًا متطورًا في الفروع والجزئيات. إنه لا يعطي المسلم حرية مطلقة في تنظيم حياته ولو على حساب عقائده وقيمه ومفاهيمه، كما أنه لا يقيده في كل شؤونه بتشريعات مفصلة دائمة، لا يستطيع الفكاك منها.
فالفقيه المسلم، مقيد حقًّا بالنصوص المحكمة الثابتة من القرآن والسنة، وهي المجزوم بثبوتها، القواطع في دلالتها، التي أراد الشارع الحكيم أن تلتقي عندها الأفهام، ويرتفع عندها الخلاف، وينعقد عليها الإجماع، فهي أساس الوحدة الفكرية والسلوكية، للمجتمع المسلم، وهي للأمة كالجبال للأرض تمسكها أن تميد، وتحميها أن تضطرب وتتزلزل، وهذا النوع من النصوص قليل جدًّا بالنسبة إلى سائر النصوص.
ومع هذا التقيد الملزم، يجد الفقيه المسلم نفسه في حرية واسعة أمام منطقتين فسيحتين، من مناطق الاجتهاد وإعمال الرأي والنظر (^١).
_________________
(١) مقال من شبكة التربية الإسلامية، الشاملة (٢٠٠٣/ ٢٠٤، م) إشراف الأستاذ أحمد مدهار.
[ ٤٣ ]
ولذا فقد تمثلت عظمة الإسلام ومبادئه الخالدة في عنصر الثبات والخلود، وعنصر المرونة والتطور معًا، مما جعله صالحًا لكل زمان ومكان.
فالثبات على الأهداف والغايات أضفى القدسية والاحترام على مبادئه، وأدخل الطمأنينة على نفس معتنقيه، والمرونة في الوسائل والأساليب أضفت الحيوية واستيعاب المستجدات في الشؤون الدنيوية، والعلوم التجريبية.
فمثلًا الشورى والحكم بالعدل من الثوابت، أما الوسيلة فمتروكة للاجتهاد كما تبين آنفًا.
والتطور والثبات ملائمان لسنن الله في الكون وفي الفطرة الإنسانية، فإن فيهما الثبات الدائم والمتغير المتحول.
وبهذه الخصيصة تستطيع الأمة الإسلامية أن تستمر وترتقي في مدارج التقدم مع المحافظة على قيمها وعقائدها وأخلاقها (^١).
_________________
(١) وينظر هذه الخصائص وغيرها في: معالم الثقافة الإسلامية للدكتور عبدالكريم عثمان ص (٨٧) وما بعدها (ط ٣) الرياض، مؤسسة الأنوار (١٣٩٩ هـ-١٩٧٩ م)، ولمحات في الثقافة الإسلامية. لعمر عودة الخطيب (ص ٦٣) وما بعدها، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الخامسة عشرة (١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م).
[ ٤٤ ]